آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨))
ولما أرشد السياق إلى أن التقدير : أفهذا الذي جاء يسلبنا عبيدنا بني إسرائيل خير عندكم مني؟ نسق عليه قوله : (أَمْ أَنَا خَيْرٌ) مع ما وصفت لكم من ضخامتي وما لي من القدرة على إجراء المياه التي بها حياة كل شيء ، ونقل ابن الجوزي وغيره من المفسرين عن سيبويه وأستاذه الخليل أنها معادلة لتقريرهم بالإبصار ، فكأنه قال : أفلا تبصرون ما ذكرتكم به فترون لعدم إبصاركم أنه خير مني أم أنا خير منه لأنكم لا تبصرون ، وكان هو أحق بهذه النصيحة منهم فإنه أراهم الطريق الواضحة إلى الضلال الموصلة إليه من غير مشقة ولا تعب بقوله : أفلا تبصرون أم أنتم بصراء ، فيكون ذلك احتباكا تقديره : أفلا تبصرون ما نبهتكم عليه ، فذكر الإبصار أولا دليلا على حذف مثلها ثانيا والخيرية ثانيا دليلا عى حذف مثلها أولا ، وحقر من عظمة الآتي له بتلك الآيات صلىاللهعليهوسلم لئلا يسرع الناس إلى اتباعه لأن آياته ـ لكونها من عند الله ـ كالشمس بهجة وعلوا وشهرة فقال : (مِنْ هذَا) فكنى بإشارة القريب عن تحقيره ، ثم وصفه بما يبين مراده فقال : (الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) أي ضعيف حقير قليل ذليل ، لأنه يتعاطى أموره بنفسه ، وليس له ملك ولا قوة يجري بها نهرا ولا ينفذ بها أمرا (وَلا يَكادُ يُبِينُ) أي لا يقرب من أن يعرب عن معنى من المعاني لما في لسانه من الحبسة فلا هو قادر في نفسه ولا له قوة بلسانه على تصريف المعاني وتنويع البيان يستجلب القلوب ويدهش الألباب فيكثر أتباعه ويضخم أمره ، وقد كذب في جميع قوله ، فقد كان موسى عليه الصلاة والسّلام أبلغ أهل زمانه قولا وفعلا بتقدير الله الذي أرسله له وأمره إياه ولكن الخبيث أسند هذا إلى ما بقي في لسانه من الحبسة تخييلا لأتباعه لأن موسى عليه الصلاة والسّلام ما دعا بإزالة حبسته بل بعقدة منها.
ولما كان عند فرعون وعند من كان مثله مطموس البصيرة فاقد الفهم وقوفا مع الوهم أن القرب من الملوك والغلبة على الأمور لا تكون إلا بكثرة الأعراض الدنيوية ، والتحلي بحلي الملوك ، سبب عن ادعائه لرسالته عن ملك الملوك اللازمة للقرب منه قوله : (فَلَوْ لا) ولما كانت الكرامات والحبى والخلع تلقى على المكرم بها إلقاء ، عبر به فقال : (أُلْقِيَ) أي من أيّ ملق كان (عَلَيْهِ) من عند مرسله الذي يدعي أنه الملك بالحقيقة (أَسْوِرَةٌ) جمع أسورة ـ قاله الزجاج ، وصرف لصيرورته على وزن المفرد نحو علانية وكراهية ، والسوار : ما يوضع في العصم من الحلية (مِنْ ذَهَبٍ) ليكون ذلك أمارة على صدق صحة دعواه كما نفعل نحن عند إنعامنا على أحد من عبيدنا بالإرسال إلى ناحية من النواحي لمهم من المهمات (أَوْ جاءَ مَعَهُ) أي صحبته عند ما أتى إلينا بهذا
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
