ولما جمعهم في إلحاق الذرية بهم لأنهم من أعظم النعيم ، وأمنهم مما قد يخشى من نقصهم بنقصه غيرهم ، وعلل ذلك ليكون أرسخ في النفس ، أتبعه بما يشاكله فقال : (وَأَمْدَدْناهُمْ) أي الذين آمنوا والمتقين ومن ألحق بهم من ذرياتهم بما لنا من العظمة زيادة على ما تقدم (بِفاكِهَةٍ.) ولما كانت الفاكهة ظاهرة فيما يعرفونه في الدنيا وإن كان عيش الجنة بجميع الأشياء تفكها ليس فيه شيء يقصد به حفظ البدن قال : (وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) ليس فيه شيء منه مما لا يعجبهم غاية الإعجاب.
ولما كان هذا النعيم العظيم المقيم يدعو إلى المعاشرة ، بالقرينة العاطرة ، بين أن ذلك حالهم اللازمة الظاهرة ، من الخصال اللائقة الطاهرة ، فقال : (يَتَنازَعُونَ) أي يشربون متجاذبين مجاذبة الملاعبة لفرط المحبة والسرور وتحلية المصاحبة (فِيها كَأْساً) أي خمرا من رقة حاشيتها تكاد أن لا ترى في كأسها. ولما كان في خمر الدنيا غوائل نفاها عنها فقال : (لا لَغْوٌ) أي سقط مما يضر ولا ينفع (فِيها) أي في تنازعها ولا بسبها لأنها لا تذهب بعقولهم ولا يتكلمون إلا بالحسن الجميل (وَلا تَأْثِيمٌ) أي ولا شيء فيها مما يلحق شرّابها إثما ولا يسوغ نسبه.
ولما كانت المعاطاة لا يكمل بسطها ولا يعظم إلا بخدم وسقاة قال : (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ) أي بالكؤوس وغيرها من أنواع التحف (غِلْمانٌ) ولما كان أحب ما إلى الإنسان ما يختص به قال : (لَهُمْ) ولم يضفهم لئلا يظن أنهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فيشفق كل من خدم أحدا في الدنيا بقول أو فعل أن يكون خادما له في الجنة فيحزن بكونه لا يزال تابعا ، وأفاد التنكير أن كل من دخل الجنة وجد له خدما لم يعرفهم قبل ذلك (كَأَنَّهُمْ) في بياضهم وشدة صفائهم (لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ) أي مصون في الصدف لم تغيره العوارض ، هذا حال الخادم فما ظنك بالمخدوم.
ولما كان ألذ ما إلى الحبيب وأعظم ما يكون من أربه ذكر محبوبه والثناء عليه بما منّ به ، قال تعالى شارحا لذلك عاطفا على ما تقديره : فأقبلوا على تعاطي ما ذكر من النعم : (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ) لما ازدهاهم من السرور ، وراقهم من اللذة والحبور (عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) أي يسأل بعضهم بعضا عن السبب الموصل له إلى هذا النعيم الذي لا يقدر مخلوق على وصفه حق وصفه ، ثم استأنف شرح ذلك بقوله : (قالُوا) أي قال كل منهم مؤكدا استلذاذا بما أداهم إلى ما هم فيه لأنه لا يكاد يصدق ، مسندين النعمة بفعل الكون إلى الله الذي جبلهم جبلة خير ، مسقطين الجار إشارة إلى دوام خوفهم ، تنبيها على أن الخوف الحامل على الكف عن المعاصي يشترط فيه الدوام ، بخلاف الرجاء الحامل على الطاعات ، فإنه يكفي فيه ما تيسر كما تأتي الإشارة إليه بإثبات
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
