البعث ، ولأجل شدة ظهورها ناط الأمر فيها بالعقل فقال : (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) وقال القالي : والمعنى أن المنصفين لما نظروا في السماوات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمنوا ، فإذا نظروا في خلق أنفسهم ونحوها ازدادوا إيمانا فأيقنوا ، فإذا نظروا في سائر الحوادث عقلوا واستحكم علمهم.
(تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠) هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢))
ولما ذكر هذه الآيات العظيمات ، وكانت كلها مشتركة في العظم ، بعد ما أشار إلى تباين رتبها في الخفاء والجلاء بفواصلها ، قال مشيرا إلى علو رتبها بأداة البعد : (تِلْكَ) أي الآيات الكبرى (آياتُ اللهِ) أي دلائل المحيط بصفات الكمال التي لا شيء أجلى ولا أظهر ولا أوضح منها. ولما كان كأنه قيل : ما لها؟ قال ، أو يكون المراد : نشير إليها حال كوننا (نَتْلُوها) أي نتابع قصها (عَلَيْكَ) سواء كانت مرئية أو مسموعة ، متلبسة (بِالْحَقِ) أي الأمر الثابت الذي لا يستطاع تحويله فليس بسحر ولا كذب ، فتسبب عن ذلك حينئذ الإنكار عليهم وعلى من يطلب إجابتهم إلى المقترحات طمعا في إيمانهم في قوله تعالى : (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ) أي خبر عظيم صادق يتجدد علمهم به يستحق أن يتحدث به ، واستغرق كل حديث فقال : (بَعْدَ اللهِ) أي الحديث الأعظم عن الملك الأعلى (وَآياتِهِ) أي والحديث عن دلالاته العظيمة (يُؤْمِنُونَ) من خاطب ـ وهم الجمهور ـ ردوه على قوله «وفي خلقكم» وهو أقوى تبكيتا ، وغيرهم وهم أبو عمرو وحفص عن عاصم وروح عن يعقوب رأوا أن ذلك الخطاب صرف إلى خطاب النبي صلىاللهعليهوسلم في قوله (نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ).
ولما كان لا يبقى على الكفر نوع بقاء فضلا عن الإصرار بعد هذا البيان إلا من يستحق النكال لمجاهرته بالعناد ، قال على وجه الاستنتاج مهددا : (وَيْلٌ) أي مكان معروف في جهنم (لِكُلِّ أَفَّاكٍ) أي مبالغ في صرف الحق عن وجهه (أَثِيمٍ) أي مبالغ في اكتساب الإثم وهو الذنب ، وعمل ما لا يحل مما يوجب العقاب ، وفسر هذا بقوله : (يَسْمَعُ آياتِ اللهِ) أي دلالات الملك الأعظم الظاهرة حال كونها (تُتْلى) أي
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
