بكثرة العدد والملاءة بالعدد : (فَتَعْساً) أي فقد عثروا فيقال لهم ما يقال للعاثر الذي يراد أنه لا يقوم : تعسا لا قيام معه ، كما يقال لمن عثر وأريد قيامه : تعسا لك ، والمراد بالتعس الانحطاط والسفول والهوان والقلق. ولما كان كأنه قيل : لمن هذا؟ قيل : (لَهُمْ) فلا يكادون يثبتون في قتال لمن صلحت منه الأعمال.
ولما كان الإنسان قد يعثر ويقع ويقال له : تعسا ، ويقوم بعد ذلك ، ولا يبطل عمله ، بين أن قوله ليس كذلك ، بل مهما قاله كان لا يتخلف أصلا ، فقال معبرا بالماضي إشارة إلى التحتم فيه ، وأما الاستقبال فربما تاب على بعضهم فيه عاطفا على ما تقديره فقال تعالى لهم ذلك : (وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ) وإن كانت ظاهرة الإيقان لأجل تضييع الأساس بالإيمان.
ولما بين ما صنع بهم ليجترىء به حزبه عليهم ، بين سببه ليجتنب فقال : (ذلِكَ) الأمر البعيد من الخير (بِأَنَّهُمْ) أي بسبب أنهم (كَرِهُوا) بغضوا وخالفوا وأنكروا (ما أَنْزَلَ اللهُ) أي الملك الأعظم الذي لا نعمة إلا منه ، والذي أنزله من القرآن والسنة هو روح الوجود الذي لا يعاندونه ، فلما كرهوا الروح الأعظم بطلت أرواحهم فتبعتها أشباحهم ، وهو معنى قوله مسببا بيانا لمعنى إضلال أعمالهم : (فَأَحْبَطَ) أي أبطل إبطالا لا صلاح معه (أَعْمالَهُمْ) بسبب أنهم أفسدوها بنياتهم فصارت وإن كانت صورها صالحة ليس لها أرواح ، لكونها واقعة على غير ما أمر به الله الذي لا أمر إلا له ولا يقبل من العمل إلا ما حده ورسمه ، وهذا وعيد للأمة بأنها إن تخلت عن نصر الله والجهاد في سبيله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكلها سبحانه إلى نفسها وتخلى عن نصرها وسلط عليها عدوها ، ولقد وجد بعض ذلك من تسلط الفسقة لما وجد التهاون في بعض ذلك والتواكل فيه.
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤))
ولما كان لا يستهين بهذه القضايا ويجترىء مثل هذه البلايا إلا من أمن العقوبة ، ولا يأمن العقوبة إلا من أعرض عن الله سبحانه وتعالى ، وكان يكفي في الصد عن الأمرين وقائعه تعالى بالأمم الخالية لأجل تكذيب رسله ومناصبة أوليائه والاعتداء على
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
