فرعون كان قويا (إِنَّهُ كانَ عالِياً) في جبلته العراقة في العلو (مِنَ الْمُسْرِفِينَ) أي العريقين في مجاوزة الحدود.
(وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧))
ولما كانت قريش تفتخر بظواهر الأمور من الزينة والغرور ويعدونه تعظيما من الله ويعدون ضعف الحال في الدنيا شقاء وبعدا من الله ، رد عليهم قولهم بما أتى بني إسرائيل على ما كانوا فيه من الضعف وسوء الحال بعد إهلاك آل فرعون بعذاب الاستئصال ، فقال مؤكدا لاستبعاد قريش أن يختار من قل حظه من الدنيا : (وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ) أي فعلنا بما لنا من العظمة في جعلنا لهم خيارا فعل من اجتهد في ذلك ، وعظم أمرهم بقوله بانيا على ما تقديره : اختيارا مستعليا (عَلى عِلْمٍ) أي منا بما يكون منهم من خير وشر ، وقد ظهر من آثاره أنكم صرتم تسألونهم وأنتم صريح ولد إسماعيل عليه الصلاة والسّلام عما ينوبكم وتجعلونهم قدوتكم فيما يصيبكم وتضربون إليهم أكباد الإبل ، وهكذا يصير عن قليل كل من اتبع رسولكم صلىاللهعليهوسلم منكم ومن غيركم. ولما بين المفضل ، بين المفضل عليه فقال : (عَلَى الْعالَمِينَ) أي الموجودين في زمانهم بما أنزلنا عليهم من الكتاب وأرسلنا إليهم من الرسل.
ولما أعلم باختيارهم ، بين آثار الاختيار فقال : (وَآتَيْناهُمْ) أي على ما لنا من العظمة (مِنَ الْآياتِ) أي العلامات الدالة على عظمتنا واختيارنا لهم من حين أتى موسى عبدنا عليه الصلاة والسّلام فرعون إلى أن فارقهم بالوفاة وبعد وفاته على أيدي الأنبياء المقررين لشرعه عليهم الصلاة والسّلام (ما فِيهِ بَلؤُا) أي اختبار مثله يميل من ينظره أو يسمعه أو يحيله إلى غير ما كان عليه ، وذلك بفرق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك مما رأوه من الآيات التسع ، وفي هذا ما هو رادع للعرب عن بعض أقوالهم من خوف التخطف من العرب والفقر لقطع الجلب عنهم وغير ذلك (مُبِينٌ) أي بين لنفسه موضح لغيره ، وما أنسب هذا الختم لقوله أول قصتهم «ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون».
ولما ثبت بما مضى أنه سبحانه متصف بالإحياء والإماتة ، وكان إنكار ذلك عنادا لا يستطيع أحد يثبت الإله أن ينكره ، وكان الإقرار بذلك في بعض وإنكاره في بعض تحكما ومخالفا لحاكم العقل وصارم النقل ، وكان من الآيات التي أوتوها إحياؤهم بعد إماتتهم حين طلبوا الرؤية فأخذتهم الصاعقة ، وحين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
