تكون الآية من الاحتباك ، وذلك أنه تعالى لما قدم أن المؤمنين في جنات تجري من تحتها الأنهار ، وأن الكافرين مأواهم النار ، وكان التقدير إنكاره على من لم يرتدع للزواجر تنبيها على أن عمله عمل من يسوي بين الجنة والنار لأن كون النار جزاء لمثله والجنة جزاء المؤمن صار في حد لا يسوغ إنكاره : أمثل الجنة الموصوفة كمثل النار ، ومن هو خالد في الجنة كمن هو خالد في النار ـ والله الموفق للصواب.
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧))
ولما كان التقدير بعد هذا التمثيل والوصف والتشويق الذي يبهر العقول : فمن الناس من يسمع منك بغاية المحبة والإنصاف فيعليه الله بفهم ما يتلوه واعتقاده والعمل به واعتماده وهم المتقون الذين وعدوا الجنة ، عطف عليه قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ) أي بغاية جهده لعله يجد في المتلو مطعنا يشك به على الضعفاء ، وبين تعالى بعدهم بقوله : (إِلَيْكَ) ولما أفرد المستمع نظرا إلى لفظ «من» إشارة إلى قلة المستمع جمع نظرا إلى معناه إشارة إلى كثرة المعرضين الجامدين المستهزئين من المستمعين منهم والسامعين فقال تعالى : (حَتَّى) أي واستمر إجهادهم لأنفسهم بالإصغاء حتى (إِذا خَرَجُوا) أي المستمعون والسامعون جميعا (مِنْ عِنْدِكَ قالُوا) أي الفريقان عمى وتعاميا واستهزاء. ولما كان مجرد حصول العلم النافع مسعدا ، أشار إلى تعظيمه ببنائه لما لم يسم فاعله فقال تعالى : (لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) أي بسبب تهيئة الله لهم بما آتاهم من صفاء الأفهام لتجردهم عن النفوس والحظوظ وانقيادهم لما تدعو إليه الفطرة الأولى : (ما ذا قالَ) أي النبي صلىاللهعليهوسلم (آنِفاً) أي قبل افتراقنا وخروجنا عنه من ساعة ـ أي أول وقت ـ تقرب منه ، من أنفة الصلاة ـ بالتحريك ، وهو ابتداؤها وأولها ، قال أبو حيان : حال ، أي مبتدئا ، أي ما القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصالنا عنه. ورد كونه ظرفا بأنه تفسير معنى ، وأنه لا يعلم أحدا من النحاة عده في الظروف. وقال البغوي : ائتنفت الأمر : ابتدأته ، وأنف الشيء أوله ، قال مقاتل : وذلك أن النبي صلىاللهعليهوسلم كان يخطب ويعيب المنافقين ، فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه استهزاء : ماذا قال محمد صلىاللهعليهوسلم؟ قال ابن عباس رضي الله عنه : وقد سئلت فيمن سئل (١).
__________________
(١) مقاتل هذا من المفتنين في الكذب عافانا الله تعالى من قلة الدين ، وهذا الأثر أخرجه الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما ٢ / ٤٥٧ وفيه أبو اليقظان ، واسمه عثمان ضعيف مختلط مدلّس ، وقد ـ عنعنه وهو شيعي غال وقد تحرّف اسمه في المستدرك. على هذا النحو : عثمان بن أبي اليقظان عن سعيد .. والصواب عثمان أبي اليقظان عن سعيد .. لأن أبا اليقظان كنية عثمان ، وفيه شريك أيضا مختلط ، ومحمد بن عبد السّلام كذّبه ابن عدي.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
