تواضع أحد إلا رفعه الله عزوجل (١). ولأحمد والترمذي واللفظ له وقال حسن صحيح عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه : ما نقص مال عبد من صدقة ، وما ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزا ، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله باب فقر (٢) ـ أو كلمة نحوها ، وروى الحاكم وصحح إسناده ، قال المنذري : وفيه انقطاع عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : «من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه» (٣).
ولما رغب سبحانه ورهب وتقرر أنه لا بد من الجزاء ، زاد في الترغيب والترهيب بأن النفع والضر لا يعدوهم فقال شارحا للجزاء : (مَنْ عَمِلَ صالِحاً) قال أو جل (فَلِنَفْسِهِ) أي خاصة عمله يرى جزاءه في الدنيا أو في الآخرة (وَمَنْ أَساءَ) أي كذلك إساءة قلت أو جلت (فَعَلَيْها) خاصة إساءته كذلك ، وذلك في غاية الطهور لأنه لا يسوغ في عقل عاقل أن ملكا يدع عبيده من غير جزاء ولا سيما إذا كان حكيما وإن كانت نقائص النفوس قد غطت على كثير من العقول ذلك ومن جزائه أنه يديل المسيء على المحسن لهفوة وقعت له ليراجع حاله بالتوبة.
ولما كان سبحانه قادرا لا يفوته شيء كان بحيث لا يعجل فأخر الجزاء إلى اليوم الموعود : (ثُمَ) أي بعد الابتلاء بالإملاء في الدنيا والحبس في البرزخ (إِلى رَبِّكُمْ) أي المالك لكم وحده لا إلى غيره (تُرْجَعُونَ).
(وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩))
__________________
(١) تقدم في الجزء الذي قبله ، وهو حديث صحيح.
(٢) أخرجه أحمد ١٧٥٧٠ والترمذي ٢٣٢٥ عن أبي كبشة رضي الله تعالى عنه ، وإسناده صالح.
(٣) أخرجه الحاكم ٢ / ٢٩٥ عن أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه ، وصححه ، وتعقبه الذهبي بأن إسحاق لم يدرك عبادة ، وأبا أمية ضعفه الدارقطني. قلت : حجاج بن نصير وإسحاق بن يحيى ضعيفان ، فهذا إسناد تالف. تنبيه : ظاهر كلام المؤلف أن الحديث موقوف من قول أبيّ بل هو مرفوع لكن الراجح وقفه.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
