حقه أن يوصل وهو ما أمر الله به ، وخص هذا الاسم إشارة إلى أنها تلقاهم بالتجهم والعبوسة والكلاحة والفظاظة كما كانوا يفعلون مع الصالحين عند الإجرام المذكور ، قال ابن برجان : وقرأ عبد الله «هذه جهنم التي كنتم بها تكذبن فتصليانها لا تموتان فيها ولا تحييان» ثم استأنف ما يفعل بهم فيها فقال : (يَطُوفُونَ بَيْنَها) أي بين دركة النار التي تتجهمهم (وَبَيْنَ حَمِيمٍ) أي ماء حار هو من شدة حرارته ذو دخان.
ولما كان هذا الاسم يطلق على البارد ، بين أمره فقال : (آنٍ) أي بالغ حره إلى غاية ليس وراءها غاية ، قال الرازي في اللوامع : وقيل : حاضر ، وبه سمي الحال بالآن لأنه الحاضر الموجود ، فإن الماضي لا تدارك له والمستقبل أمل وليس لنا إلا الآن ، ثم «الآن» ليس بثابت طرفة عين ، لأن الآن هو الجزء المشترك بين زمانين ، فهم دائما يترددون بين عذابي النار المذيبة للظاهر والماء المقطع بحره للباطن الذي لا يزال حاضرا لهم تردد الطائف الذي لا أول لتردده ولا آخر.
ولما كان عذاب المجرم ـ القاطع لما من شأنه أن يكون متصلا ـ من أكبر النعم وأسرها لكل أحد حتى لمن سواه من المجرمين ، سبب قوله : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما) أي المحسن إليكما أيها الثقلان بإهلاك المجرم في الدارين وإنجاء المسلم مما أهلك به المجرم لطفا بالمهددين ليرتدعوا وينزجروا عما يكون سبب إهلاكهم هم ومن والاهم (تُكَذِّبانِ) أبنعمة الشم من اليمين أمن من غيرها مما أراكم من آياته ، وظاهر عليكم من بيناته ، في السماوات والأرض ، وما أراكم من مطالع الدنيا من الشمس التي هي آية النهار والقمر الذي هو آية الزمهرير ، وغير ذلك من آياته المحكمة المرئية المسموعة ، وقد كررت هذه الآية عقب ذكر النار وأهوالها سبع مرات تنبيها على استدفاع أبوابها السبعة كما مضى ـ والله المستعان.
(وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧))
ولما كان قد عرف ما للمجرم المجترىء على العظائم ، وقدمه لما اقتضاه مقام التكبر من الترهيب وجعله سبعا إشارة إلى أبواب النار السبعة ، عطف عليه ما للخائف الذي أداه خوفه إلى الطاعة وجعله ثمانية على عدد أبواب الجنة الثمانية فقال : (وَلِمَنْ)
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
