بعده ، أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال : (ثُمَ) أي بعد ما له من عليّ الرتبة في نفسه وبالإضافة إلى من أرسله. ولما كانت الفطر الأولى داعية إلى الإقبال على الحق ، نازعة إلى الانقطاع إلى الله والعكوف ببابه ، واللجاء إلى جنابه ، إلا بجهد من النفس في النفور وعلاج دواعي الثبور ، أشار إلى ذلك بالتعبير بصيغة التفعل فقال : (تَوَلَّوْا عَنْهُ) أي أطاعوا ما دعاهم إلى الإدبار عنه من دواعي الهوى ونوازع الشهوات والحظوظ (وَقالُوا) أي زيادة على إساءتهم بالتولي : (مُعَلَّمٌ) أي علمه غيره من البشر (مَجْنُونٌ) فلم يبالوا بالتناقض البين الأمر ، وهذا يدل على أن من لا يبالي بعرضه ولا حياء له لا طيب لدائه لأنه لا وجود لدوائه ، وأنه إذا مس بما يلينه ويرده ويهينه لا يؤمن من رجوعه إلى الحال السيىء عند كشف ذلك الضر عنه.
ولما لفت سبحانه الخطاب عنهم إهانة لهم ، بين أن سببه أن داءهم عضال ، فليس له أبدا زوال ، فقال مؤكدا لاستبعادهم زوال ما هم فيه : (إِنَّا) أي على ما لنا من العظمة بالعلم المحيط وغيره (كاشِفُوا الْعَذابِ) أي عنكم بدعاء رسولكم صلىاللهعليهوسلم في القول بأن الدخان ما كانوا يرونه بسبب الجوع من القحط (قَلِيلاً) إقامة للحجة عليكم لا لخفاء ما في ضمائركم علينا. ولما كانوا قد أكدوا الإخبار بإيمانهم ، وهو باطل ، أكد سبحانه الإخبار بكذبهم ، ومن أصدق منه سبحانه قيلا ، فقال تحقيقا لقوله تعالى (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) [الأنعام : ٢٨] : (إِنَّكُمْ عائِدُونَ) أي ثابت عودكم بعد كشفنا عنكم في ذلك الزمن القصير إلى الكفران وإن أكدتم حصول الإيمان بأكيد الإيمان لما في جبلاتكم من العوج ولطباعكم من المبادرة إلى الزلل ، فإيمانكم هذا الذي أخبرتم برسوخه عرض زائل وخيال باطل ، وإن كان هذا في آخر الزمان فلا يدع أن يكون الخطاب لهم على حقيقته بملك أو غيره ممن يرده الله تعالى لأن ذلك زمان خرق العادات ونقض المطردات إقامة للحجة عليهم وله الحجة البالغة ، وتأديبا لنا وتعليما.
(يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨))
ولما كان اليوم قد يراد به الزمن المجتمع في حكم من الأحكام ، وكان زمان الدخان إن كان المراد به القحط الذي كان قبل يوم بدر أو ما يقرب من الساعة يسمى يوما واحدا لاتحاد ذلك الحكم ، أبدل من (يوم الدخان) قوله تهديدا بشق الأكباد : (يَوْمَ نَبْطِشُ) أي بما لنا من العظمة ، والبطش : الأخذ بقوة (الْبَطْشَةَ الْكُبْرى) أي التي تنحل لها عراهم وتنخل بها عزائمهم وقواهم ، ولا يحتملها حقائقهم ولا مناهم ، سواء
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
