بالجحود (وَالْفُسُوقَ) وهو المروق من ربقة الدين ، ولو من غير تغطية بل بغير تأمل (وَالْعِصْيانَ) وهو الامتناع من الانقياد عامة فلم تخالفوه ، ورأيتم خلافه هلاكا ، فصرتم والمنة لله أطوع شيء للرسول صلىاللهعليهوسلم ، فعلم من هذا أن الله تعالى هو الفاعل وحده لجميع الأفعال من الطاعات والمعاصي والعادات والعبادات ، لأنه خالق لكل ، ومدحوا لفعل الله بهم لأنهم الفاعلون في الظاهر فهو واقع موقع : أطعتم الرسول صلىاللهعليهوسلم ولم تخالفوه ، وإنما وضع فعل الله وهو لا يمدحون عليه موضع فعلهم الذي يمدحون عليه للحث على الشكر والإنسلاخ من العجب.
ولما أرشد السياق إلى متابعتهم على هذا الوجه ، أنتج قوله مادحا لهم ثانيا الكلام عن خطابهم إلى خطابه صلىاللهعليهوسلم ليدل على عظم هذه الأوصاف وبينه بأداة البعد على علو مقام المتصف : (أُولئِكَ) أي الذين أعلى الله القادر على كل شيء مقاديرهم (هُمُ) أي خاصة (الرَّاشِدُونَ) أي الكاملون في الرشد وهو الهدى على أحسن سمت وتقدير ، وفي تفسير الأصبهاني : الرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه ـ انتهى. والذي أنتج الرشاد متابعة الحق ، فإن الله تكفل لمن تعمد الخير وجاهد نفسه على البر بإصابة الصواب وإحكام المساعي المنافي للندم ، (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) وقد دل السياق على أنهم كانوا في خبر الوليد صنفين : صنف صدقه وأراد غزوة بني المصطلق وأشار به ، وصنف توقف ، وأن الصنفين سلموا آخر الأمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم فهدوا ، فالآية من الاحتباك وهي شبيهة به : دلت الشرطية في (لَوْ يُطِيعُكُمْ) على الاستدراكية ، والاستدراكية في (وَلكِنَّ اللهَ) على تقدير الشرطية دلالة ظاهرة.
(فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١))
ولما ذكر التحبيب والتزيين والتكريه وما أنتجه من الرشاد ، ذكر علته إعلاما بأنه تعالى لا يحب عليه شيء حثا على الشكر فقال : (فَضْلاً) أي زيادة وتطولا وامتنانا عظيما جسيما ودرجة عالية من الله الملك الأعظم الذي بيده كل شيء (وَنِعْمَةً) أي وعيشا حسنا ناعما وخفضا ودعة وكرامة.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
