بهذه القرى في الدنيا من رفع الملائكة لهم في الهواء الذاري إلى عنان السماء وقلبهم وإتباعهم الحجارة المحرقة ، وغمرهم بالماء المناسب لفعلهم بنتنه وعدم نفعه ، وما ادخر لهم في الآخرة أعظم.
(وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٤٦))
ولما قدم سبحانه أحق القصص الدالة على قسمه وما أقسم عليه بما فيها من خفاء الأسباب مع وجودها ، ثم ما فيها من إنزال ما به الوعيد من السماء بالنار والماء الذي أشير إليه بالمقسمات ، مع الفرق بين المسلم والمجرم ، أتبعها قصة من أيده بحاملات فيها مطر وبرد ونار مضطرمة ، كما مضى بيانه في الأعراف ، ثم بعد ذلك بريح فرقت البحر ونشفت أرضه ودخله فرعون والقبط ، وهو واضح الأمر في أنه سبب لهلاكهم وهم لا يشعرون به ، فقال عاطفا على المقدر في قصة إبراهيم عليهالسلام أو الظاهر في (وَفِي الْأَرْضِ) أو على «في» التي في قوله (وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ) وهذا أقرب من غيره وأولى : (وَفِي مُوسى) أي في قصته وأمره آية على ذلك عظيمة (إِذْ أَرْسَلْناهُ) بعظمتنا (إِلى فِرْعَوْنَ) الذي كان قد أساء إلى إبراهيم عليهالسلام بعد عظيم إحسانهم إليه وإلى جميع قومه بما أحسن إليهم يوسف عليهالسلام (بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) أي معجزات ظاهرة في نفسه منادية من شدة ظهورها بأنها معجزة ، فكان فيها دلالة واضحة على صدق وعيده ومع ذلك فلم ينفعهم علمها ولذلك سبب عنه وعقب به قوله : (فَتَوَلَّى) أي كلف نفسه الإعراض بعد ما دعاه علمها إلى الإقبال إليها ، وأشار إلى توليه بقوله : (بِرُكْنِهِ) أي بسبب ما يركن إليه من القوة في نفسه وبأعوانه وجنوده أو بجميع جنوده ـ كناية عن المبالغة في الإعراض ، (وَقالَ) معلما بعجزه عما أتاه به وهو لا يشعر : (ساحِرٌ) ثم ناقض كمناقضتكم فقال بجهله عما يلزم على قوله : (أَوْ مَجْنُونٌ) أي لاجترائه عليّ مع ما لي من عظيم الملك بمثل هذا الذي يدعو إليه ويتهدد عليه.
ولما وقعت التسلية بهذا للأولياء ، قال تعالى محذرا للأعداء : (فَأَخَذْناهُ) أي أخذ غضب وقهر بعظمتنا بما استدرجناه به وأوهناه به من العذاب الذي منه سحاب حامل ماء
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
