(مُقْتَدِرٍ) أي لا يعجل بالأخذ لأنه لا يخاف الفوت ولا يخشى معقبا لحكمه ، بالغ القدرة إلى حد لا يدرك الوصف كنهه لأن صيغة الافتعال مبناها على المعاجلة ومن عاجل فعلا أجهل نفسه فيه ، فكان على أتم الوجوه ، وهذه الغاية هي المرادة ليس غيرها ، فهو تمثيل لأنه سبحانه يخاطبنا بما نعبده ، وبهذه المبالغة فلم يلفت منهم أحد ، وقد ختمت القصص بمثل ما افتتحت به من عذاب المفسدين بالإغراق ليطابق الختم البدء ، وكانت نجاة المصلحين من الأولين بالسفينة ، وكانت نجاة المصلحين من الآخرين بأرض البحر كانت هي سفينتهم ، ليكون الختم أعظم من البدء كما هو شأن أهل الاقتدار.
ولما بلغت هذه المواعظ الانتهاء ، وعلت أقدامها على رتبة السها ، ولم يبين ذلك كفار قريش عن شرادهم ، ولا فتر من جحودهم وعنادهم ، كان لسان حالهم قائلا : إنا لا نخاف شيئا من هذا ، فكان الحال مقتضيا لأن يقال لهم إلزاما بالحجة : (أَكُفَّارُكُمْ) الراسخون منكم في الكفر الثابتون عليه يا أيها المكذبون لهذا النبي الكريم الساترون لشموس دينه (خَيْرٌ) في الدنيا بالقوة والكثرة أو الدين عند الله أو عند الناس (مِنْ أُولئِكُمْ) أي الكفار العظماء الجبابرة الأشداء الذين وعظناكم بهم في هذه السورة ليكون ذلك سببا لافتراق حالهم منهم فيأمنوا العذاب مع جامع التكذيب وإن لم يكن لهم براءة من الله (أَمْ لَكُمْ) أجمعين دونهم كفاركم وغير كفاركم (بَراءَةٌ) من العذاب من الله (فِي الزُّبُرِ) أي الكتب الآتية من عنده أأمنتم بها من العذاب مع أنهم خير منكم ، فالآية من الاحتباك : أثبت الخيرية أولا دليلا على حذفها ثانيا ، والبراءة ثانيا دليلا على حذفها أولا.
ولما بلغوا إلى هذا الحد من التمادي في الكفر مع المواعظ البالغة والاستعطاف المكين ، استحقوا أعظم الغضب ، فأعرض عنهم الخطاب إيذانا بذلك وإهانة لهم واحتقارا وإقبالا على النبي صلىاللهعليهوسلم تسلية له فقال عاطفا على ما تقديره : أيدعون جهلا ومكابرة شيئا من هذين الأمرين : (أَمْ يَقُولُونَ) أي هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم تعاملهم باللين في القال والقيل والصفح الجميل امتثالا لأمرنا تعظيما لقدرك فاستهانوا بك : (نَحْنُ جَمِيعٌ) أي جمع واحد مبالغ في اجتماعه فهو في الغاية من الضم فلا افتراق له (مُنْتَصِرٌ) أي على كل من يناويه لأنهم على قلب رجل واحد ، فالإفراد للفظ «جميع» ولإفهام هذا المعنى ، أو أن كل واحد محكوم له بالانتصار.
(سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨))
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
