وهم من فيهم تذبذب واضطراب (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) أي لتكون حالهم عند من ينظرهم حال من يرجى تفكره في تلك الأمثال فينفعه ذلك إذا أداه التفكر إلى التذكر فرأى تنبيه الرسول الله صلىاللهعليهوسلم له أن كل ما في القرآن من شيء فيه مشاهد منه متطابق له كتاب الخلق وكتاب الأمر فتخلى عن الشهوات البهيمية فنجا من الحظوظ النفسية فتحلى بالملابس الروحانية فصار بالمجاهدات والمنازلات إلى الصفات الملكية فكان أهلا للمقامات القدسية في الجنان العلية.
(هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤))
ولما أعلى سبحانه أولياءه بأن فتح السورة بالإيمان بالغيب وهو العزيز الحكيم بعد التنزيه عن نقائص التعطيل وكل شائبة نقص وينزل لعباده في أسباب الصفات والأفعال إلى أن أوصلهم إلى محسوس الأمثال فتأهلوا للفناء في ذاته وما على من صفاته الموجبة لخشيته ، رقاهم إلى التفكر في تفصيل ما افتتح به ، فقال عادلا عن أسلوب العظمة إلى أعظم منها بإسبال حجب العزة على منهاج الحكمة : (هُوَ) أي الذي وجوده من ذاته فلا عدم له أصلا بوجه من الوجوه ، فلا يستحق الوصف ب «هو» غيره لأنه الموجود دائما أزلا وأبدا ، فهو حاضر في كل ضمير غائب بعظمته عن كل حس ، فلذلك يتصدع الجبل من خشيته.
ولما عبر بأخص أسمائه ، أخبر عنه لطفا بنا وتنزلا لنا بأشهرها الذي هو مسمّي الأسماء كلها فقال : (اللهُ) أي المعبود الذي لا ينبغي العبادة إلا له ، الذي بطن بما لم تحط ولا تحيط به العقول من نعوت الكبرياء والعظمة والإكرام ، فظهر بأفعاله التي لا تضاهى بوجه غاية الظهور ، فتميز غاية التميز ، فلم يلحقه شرك أصلا في أمة من الأمم ولا نسمة من النسم ، قال الحرالي في شرح الأسماء : وهو لوه القلوب والعقول أي محارها الذي لا تدركه ، فلزم الخلق من توحيد اسم الإله ما حصل لهم من توحيد اسم الله من الأحدية الإحاطية ـ انتهى ـ فلذلك كان وصفه (الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) فإنه لا مجانس له ولا يليق ولا يصبح ولا يتصور أن يكافئه أو يدانيه شيء والإله أول اسم لله فلذلك ـ لا يكون أحدا مسلما إلا بتوحيده فتوحيده فرض وهو أساس كل فريضة ، وتوحيد سائر الأسماء نقل وهو أساس كل نافلة ، فمن وحد في الكل فقد كمل دينه
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
