أسفل سافلين في حد النوس وهو التردد لم يرتقوا إلى سن الإيمان (لا يَعْلَمُونَ) أي لا يتجدد لهم علم لما لهم من النوس والتردد والسفول عن أوج العقل إلى حضيض الجهل ، فهم واقفون مع المحسوسات ، لا يلوح لهم ذلك مع ما له من الظهور لتظهر قدرتنا ويتحقق اسمنا الباطن كما تحقق الظاهر عند من هديناه لعلم ذلك.
ولما دل على قدرته على الإعادة بهذا الدليل الخاص الذي تقديره : فالله الذي ابتدأ خلقكم من الأرض على هذا الوجه قادر على إعادتكم ، عطف عليه دليلا آخر جامعا فقال تعالى : (وَلِلَّهِ) أي الملك الأعظم وحده (مُلْكُ السَّماواتِ) كلها (وَالْأَرْضِ) التي ابتدأكم منها ، ومن تصرف في ملكه بشيء من الأشياء ، كان قادرا على مثله ما دام ملكا.
ولما كان التقدير : له ملك ذلك أبدا ، فهو يفعل فيه اليوم ما تشاهدون مع رفع هذا وخفض هذا ، فلو أن الناس سلموا لقضائه لوصلوا إلى جميع ما وصلوا إليه بالبغي والعدوان ، فإنه لا يخرج شيء عن أمره ولكن أكثر الناس اليوم في ريبهم يترددون ، بنى عليه قوله تعالى : (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) أي توجد وتتحقق تحقق القائم الذي هو على كمال تمكنه وتمام أمره الناهض بأعباء ما يريد ، وكرر سبحانه للتهويل والتأكيد قوله : (يَوْمَئِذٍ) أي إذ تقوم يخسرون ـ هكذا كان الأصل ، ولكنه قال للتعميم والتعليق بالوصف : (يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ) أي الداخلون في الباطل العريقون في الاتصاف به ، الذين كانوا لا يرضون بقضائي فيستعجلون فيتوصلون إلى مراداتهم بما لم آمر به ، ولا يزالون يبغون إلى أن يأتي الوقت الذي قدرت وصولهم إليها فيه ، فيصلون ويظنون أنهم وصلوا بسعيهم ، وأنهم لو تركوا لما كان لهم ذلك فيخسرون لأجل سعيهم بما جعلت لهم من الاختيار بمرادي فيهم على خلاف أمري ، خسارة مستمرة التجدد لا انفكاك لهم عنها ويفوز المحقون.
(وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢))
ولما كان ذلك من شأن اليوم مهولا ، عم في الهول بقوله مصورا لحاله : (وَتَرى) أي في ذلك اليوم (كُلَّ أُمَّةٍ) من الأمم الخاسرة فيها والفائزة (جاثِيَةً) أي مجتمعة لا
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
