الأحوال لأجل تكذيبهم (كانَ عَذابِي) لهم (وَنُذُرِ) أي وإنذاري إياهم بلسان رسولي ، وكرر في آخر قصتهم هذا الاستخبار ، فكان في قصتهم مرتين كما تقدم من سره ـ والله أعلم.
(إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦))
ولما ذكر تكذيبهم وأعقبه تعذيبهم ، علم السامع أنه شديد العظمة فاستمطر أن يعرفه فاستأنف قوله ، مؤكدا تنبيها على أن قريشا أفعالهم في التكذيب كأفعالهم كأنهم يكذبون بعذابهم : (إِنَّا أَرْسَلْنا) بعظمتنا ، وعبر بحرف الاستعلاء إعلاما بالنقمة فقال : (عَلَيْهِمْ رِيحاً) ولما كانت الريح ربما كانت عيانا ، وصفها بما دل على حالها فقال : (صَرْصَراً) أي شديد البرد والصوت. ولما كان مقصود السورة تقريب قيام الساعة ووصف سيرهم إلى الداعي بالإسراع ، ناسب أن يعبر عن عذابهم بأقل ما يمكن ، فعبر باليوم الذي يراد به الجنس الشامل للقليل والكثير وقد يعبر به عن مقدار من الزمان يتم فيه أمر ظاهر سواء لحظة أو أياما أو شهورا أو كثيرا من ذلك أو أقل كيوم البعث ويوم بدر ويوم الموت بقوله تعالى : ـ (إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ) ـ [القيامة : ٣٥] : (فِي يَوْمِ) وأكد شؤمها بذم زمانها فقال : (نَحْسٍ) أي شديد القباحة ، قيل : كان يوم الأربعاء آخر الشهر وهو شوال لثمان بقيت إلى غروب الأربعاء ، وحقق لأن المراد باليوم الجنس لا الواحد بالوصف فقال : (مُسْتَمِرٍّ) أي قوي في نحوسته نافذ ماض فيما أمر به من ذلك شديدة أسبابه ، موجود مرارته وجودا مطلوبا من مرسله في كل وقت ، مستحكم المرارة قويها دائمها إلى وقت إنفاذ المراد.
ولما علم وصفها في ذاتها ، أتبعه وصفها بما يفعل فيه فقال : (تَنْزِعُ) أي تأخذ من الأرض بعضهم من وجهها وبعضهم من حفر حفروها ليمتنعوا بها من العذاب ، وأظهر موضع الإضمار ليكون نصا في الذكور والإناث فعبر بما هو من النوس تفضيلا لهم فقال : (النَّاسَ) الذين هم صور لا ثبات لهم بأرواح التقوى ، فتطيرهم بين السماء والأرض كأنهم الهباء المنثور ، فتقطع رؤوسهم من جثثهم وتغير ألوانهم تعتيما لهم إلى السواد ، ولذا قال : (كَأَنَّهُمْ) أي حين ينزعون فيلقون لا أرواح فيهم كأنهم (أَعْجازُ) أي أصول (نَخْلٍ) قطعت رؤوسها. ولما كان الحكم هنا على ظاهر حالهم ، وكان
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
