ولما كانت الحرب كريهة إلى النفوس شديدة المشقة ، أكد أمرها بما معناه : إن هذا أمر قد فرغ منه ، فقال تعالى : (ذلِكَ) أي الأمر العظيم العالي الحسن النافع الموجب لكل خير. ولما كان هذا ربما أوهم أن التأكيد في هذا الأمر لكون الحال لا يمكن انتظامه إلا به ، أتبعه ما يزيل هذا الإيهام فقال : (وَلَوْ) ولما كان لو عبر بالماضي أفاد أنه كان ولم يبق ، عبر بالمضارع الدال على الحال وما بعده فقال : (يَشاءُ اللهُ) أي الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال والقدرة على ما يمكن (لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ) أي بنفسه من غير أحد انتصارا عظيما بأن لا يبقى منهم أحدا (وَلكِنْ) أوجب ذلك عليكم (لِيَبْلُوَا.)
ولما كان الابتلاء ليس خاصا بفريق منهم بل عاما للفريقين لأنه يكشف عن أهل المحاسن وأهل المساوىء من كل منهم ، قال تعالى : (بَعْضَكُمْ) من الفرقة المؤمنين بالإنكار عليهم من الفرقة الطاغين حتى يكون لهم بذلك اليد البيضاء (بِبَعْضٍ) أي يفعل في ذلك فعل المختبر ليترتب عليه الجزاء على حسب ما تألفونه من العوائد.
ولما أفهم هذا أن الابتلاء بين فريقين بالجهاد ، قال عاطفا على ما تقديره : فالذين قاتلوا أو قتلوا في سبيل الشيطان أضل أعمالهم : (وَالَّذِينَ قُتِلُوا) وفي قراءة البصريين وحفص (قُتِلُوا) وهي أكثر ترغيبا والأولى أعظم ترجية (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي لأجل تسهيل طريق الملك الأعظم المتصف بجميع صفات الكمال.
ولما كان في سياق الترغيب ، قرن الخبر بالفاء إعلاما بأن أعمالهم سببه فقال تعالى : (فَلَنْ يُضِلَ) أي يضيع ويبطل (أَعْمالَهُمْ) لكونها غير تابعة لدليل بل يبصرهم بالأدلة ويوفقهم لاتباعها ، وهو معنى قوله تعالى تعليلا : (سَيَهْدِيهِمْ) أي في الدارين بوعد لا خلف فيه بعد المجاهدة إلى كل ما ينفعهم مجددا ذلك على سبيل الاستمرار (وَيُصْلِحُ بالَهُمْ) أي موضع فكرهم فيجعله مهيأ لكل خير بعيدا عن كل شر آمنا من المخاوف مطمئنا بالإيمان بما فيه من السكينة ، فإذا قتل أحد في سبيله تولى سبحانه وتعالى ورثته بأحسن من تولي المقتول لو كان حيا.
(وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩))
ولما كان هذا ثوابا عظيما ونوالا جسيما ، أتبعه ثوابا أعظم منه فقال تعالى : (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ) أي دار القرار الكاملة في النعيم ، وأجاب من كأنه يسأل عن كيفية
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
