ولما كان النظر إلى التطهير من سفساف الأخلاق عظيما ، سبب عنه إفهاما لأنه لا يحصل ما سببه عنه بدونه قوله (فَأُولئِكَ :) أي العالو المنزلة (هُمُ) أي خاصة لا غيرهم (الْمُفْلِحُونَ) أي الكاملون في الفوز بكل مراد ، قال القشيري : وتجرد القلب من الأعراض والأملاك صفة السادة والأكابر ، ومن أسرته الأخطار وبقي في شح نفسه فهو في مصارفة معاملته ومطالبة الناس في استيفاء حظه ، فليس له من مذاقات هذه الطريقة شيء. وشرح الآية أن الأنصار كانوا لما قدم عليهم المهاجرون قسموا دورهم وأموالهم بينهم وبينهم ، فلما أفاء الله على رسوله صلىاللهعليهوسلم أموال بني النضير خطب النبي صلىاللهعليهوسلم فذكر ما صنعوا بالمهاجرين من إنزالهم إياهم وأثرتهم على أنفسهم ، ثم قال : «إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله عليّ من بني النضير ، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم ، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دياركم ، فقال السعدان رضي الله عنهما : بل يقسم بين المهاجرين خاصة ويكونون في دورنا كما كانوا ، وقالت الأنصار : رضينا وسلمنا ، وفي رواية أنهم قالوا : اقسم فيهم هذه خاصة واقسم لهم من أموالنا ما شئت ، فنزلت (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ) ـ الآية ، وقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار (١) ، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار ، فوالله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال العنزي :
|
جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت |
|
بنا نعلنا في الواطئين فزلت |
|
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا |
|
تلاقي الذي يلقون منا لملت |
فهم لعمري الحقيقون باسم إخوان الصفاء ، وخلان المروءة والوفاء ، والكرامة والاصطفاء ، ورضي الله عنهم وعن تابعيهم من الكرام الخلفاء والسادة الحنفاء.
(وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠))
ولما أثنى الله سبحانه وتعالى على المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم بما هم أهله ، التابعين لهم بإحسان ما يوجب لهم الثناء فقال عاطفا على المهاجرين فيقتضي التشريك معهم ، أو على أصل القصة من عطف الجمل : (وَالَّذِينَ جاؤُ) أي من أي طائفة كانوا ، ولما كان المراد المجيء ولو في زمن يسير ، أثبت الجار فقال : (مِنْ بَعْدِهِمْ) أي بعد المهاجرين والأنصار وهم من آمن بعد انقطاع الهجرة بالفتح وبعد إيمان
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤٣٣٧ ومسلم ١٠٥٩ والترمذي ٣٩٠١ وابن حبان ٤٧٦٩ وعبد الرزاق ١٩٩٠٨ وأحمد ٣ / ٨٨ و ٢٤٦ من حديث أنس ، وليس فيه ذكر أنه سبب نزول.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
