الدنيا : من عمل فيها بأمر الله أعقبته حطاميتها سرورا دائما ، ومن أهمل ذلك أورثته حزنا لازما ، وكما كان التقدير : فما الآخرة لمن سعى لها سعيها وهو مؤمن إلا حق مشهور وسعي مشكور ، عطف عليه قوله : (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا) أي لكونها تشغل بزينتها مع أنها زائلة (إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ) أي لهو في نفسه غرور لا حقيقة له إلا ذلك ، لأنه لا يجوز لمن أقبل على التمتع إلا ذلك لأنه لا يسر بقدر ما يضر.
(سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١))
ولما بين أن الدنيا خيال ومحال ليصرف الكلمة من العباد عنها لسفولها وحقارتها ، وأن الآخرة بقاء وكمال ليرغبوا غاية الرغبة فيها وليشتاقوا كل الاشتياق لكمالها وشرفها وجلالها ، أنتج ذلك قوله تعالى : (سابِقُوا) أي افعلوا في السعي لها بالأعمال الصالحة حق السعي فعل من يسابق شخصا فهو يسعى ويجتهد غاية الاجتهاد في سبقه ، ولكن ربما كان قرينه بطيئا فسار هوينا ، وأما المسارعة فلا تكون إلا بجهد النفس من الجانبين مع السرعة في العرف ، فآية آل عمران الآمرة بالمسارعة الأخص من المسابقة أبلغ لأنها للحث على التجرد عن النفس والمال وجميع الحظوظ أصلا ورأسا ، ولذلك كانت جنتها للمتقين الموصوفين ، وأما هذه ففي سياق التصديق الذي هو تجرد عن فضول الأموال ولذلك كانت جنته للذين آمنوا.
ولما كان المقام عظيما ، والإنسان ـ وإن بذلك الجهد ـ ضعيفا ، لا يسعه إلا العفو سواء كان سابقا أو لاحقا من الأبرار والمقربين ، نبه على ذلك بقوله في السباقين ؛ (إِلى مَغْفِرَةٍ) أي ستر لذنوبكم عينا وأثرا (مِنْ رَبِّكُمْ) أي المحسن إليكم بأن رباكم وطوركم بعد الإيجاد بأنواع الأسباب بأن تفعلوا أسباب ذلك بامتثال أوامره سبحانه واجتناب زواجره. ولما كان المقصود من المغفرة ما يترتب عليها من نتيجتها قال : (وَجَنَّةٍ) أي وبستان هو من عظم أشجارها واطراد أنهارها بحيث يستر داخله. ولما كان ذلك لا يكمل إلا بالسعة قال : (عَرْضُها) أي فما ظنك بطولها. ولما كان السياق كما بين للتجرد عن فضول الأموال فقط لأن الموعود به دون ما في آل عمران فأفرده وصرح بالعرض فقال : (كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) أي لو وصل بعضها ببعض ، فآية آل عمران تحتمل الطول وجميع السماوات والأرض على هيئتها ، ويحتمل أن يكون ذلك على تقدير أن تقد كل واحدة منهما ويوصل رأس كل قدة برأس الأخرى ، وتمتد جميع القدات إلى نهايتها على مثل الشراك ، وهذه الآية ظاهرها عرض واحد وأرض واحدة (أُعِدَّتْ) أي هيئت هذه الجنة الموعود بها وفرغ من أمرها بأيسر أمر (لِلَّذِينَ آمَنُوا)
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
