بَعْدِ اللهِ) أي إضلال الذي له الإحاطة بكل شيء. ولما كان من المعلوم قطعا أنه لا هادي له غيره ، سبب عنه الإنكار لعدم التذكر حثا على التذكر فقال مشيرا بإدغام تاء التفعل إلى عدم الاحتياج بسبب وضوحه إلى كثير تذكر : (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) أي يكون لكم نوع تذكر فتذكرون أنهم لا يسمعون الآيات المتلوة ولا يعتبرون بالآيات المرئية مع ما لكل منهما من الظهور ، وأن من كان هذا حاله فلا سبيل لمخلوق مثله إلى هدايته.
(وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧))
ولما كان التقدير للدلالة على الختم على مشاعرهم ، فقد قالوا مع اعترافهم بتفرده تعالى بخلقهم ورزقهم وخلق جميع الموجودات في إنكار الوحدانية : إن له شركاء ، عطف عليه قوله : (وَقالُوا) أي في إنكارهم البعث مع اعترافهم بأنه قادر على كل شيء ومعرفتهم أنه قد وعد بذلك في الأساليب المعجزة وأنه لا يليق بحكيم أصلا أن يدع من تحت يده يتهارجون من غير حكم بينهم : (ما هِيَ) أي الحياة (إِلَّا حَياتُنَا) أي أيها الناس (الدُّنْيا) أي هذه التي نحن فيها مع أن تذكر مدلول هذا الوصف الذي هو أمر نسي لا يعقل إلا بالإضافة إلى حياة أخرى بعدى كاف في إثبات البعث.
ولما أثبتوا بادعائهم الباطل هذه الحياة أتبعوها حالها فقالوا : (نَمُوتُ وَنَحْيا) أي تنزع الروح من بعض فيموت ، وتنفخ في بعض آخر فيحيى ، وليس وراء الموت حياة أخرى للذي مات ، فقد أسلخوا أنفسهم بهذا القول من الإنسانية إلى البهيمية لوقوفهم مع الجزئيات. ولما كان هلاكهم في زعمهم لا آخر له ، عدوا الحياة في جنبه عدما فلم يذكروها وقالوا بجهلهم : (وَما يُهْلِكُنا) أي بعد هذه الحياة (إِلَّا الدَّهْرُ) أي الزمان الطويل بغلبته علينا بتجدد إقباله وتجدد إدبارنا بنزول الأمور المكروهة بنا ، من دهره ـ إذا غلبه. ولما أسند إليهم هذا القول الواهي ، بين حالهم عند قوله فقال تعالى : (وَما) أي قالوه والحال أنه ما (لَهُمْ بِذلِكَ) أي القول البعيد من الصواب وهو أنه لا حياة بعد هذه ، وأن الهلاك منسوب إلى الدهر على أنه مؤثر بنفسه ، وأعرق في النفي فقال : (مِنْ عِلْمٍ) أي كثير ولا قليل (إِنْ) أي ما (هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) بقرينة أن الإنسان كلما تقدم في السن ضعف ، وأنه لم يرجع أحد من الموتى.
ولما كان هذا من قولهم عجبا ، زاده عجبا بحالهم عند سماعهم للبراهين القطعية ،
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
