ولما كان الوصف لرؤوس المؤمنين ، عد أعمالهم أسبابا فأخبر عنهم بقوله : (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) أي يعلوهم بغلبة الضرر ، ولعله يعبر في مثل هذا بالاسم إشارة إلى أن هيبته بالنظر إلى جلاله وقهره وجبروته وكبره وكماله لا تنتفي ، ويحصل للإنسان باستحضارها إخبات وطمأنينة ووقار وسكينة يزيده في نفسه جلالا ورفعة وكمالا ، فالمنفي خوف يقلق النفس (وَلا هُمْ) في ضمائرهم ولا في ظواهرهم (يَحْزَنُونَ) أي يتجدد لهم شيء من حزن أصلا.
(أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦))
ولما نفى عنهم المحذور ، مدهم بإيثار السرور ، فقال تعالى : (أُولئِكَ) أي العالو الدرجات (أَصْحابُ الْجَنَّةِ) ولما دلت الصحبة على الملازمة ، صرح بها بقوله تعالى : (خالِدِينَ فِيها) خلودا لا آخرا له ، جوزوا بذلك (جَزاءً) ولما كانوا محسنين فكانت أعمالهم في غاية الخلوص جعلها تعالى أسبابا أولا وثانيا ، فقال مشيرا إلى دوامها لأنها في جبلاتهم (بِما كانُوا) أي طبعا وخلقا (يَعْمَلُونَ) على سبيل التجديد المستمر.
ولما تفضل سبحانه وتعالى على الإنسان بعد الأعمال التي هيأه لها وأقدره عليها ووفقه لها أسبابا قرن بالوصية بطاعته ـ لكونه المبدع ـ الوصية بالوالدين لكونه تعالى جعله سبب الإيجاد ، فقال في هذا السياق الذي عد فيه الأعمال لكونه سياق الإحسان التي أفضلها الصلاة على ميقاتها ، وثانيها في الرتبة بر الوالدين كما في الصحيح ، وفي الترمذي : «رضى الله في رضى الوالدين وسخطه في سخطهما» (١). وعلى هذا المنوال جرت عادة القرآن يوصي بطاعة الوالدين بعد الأمر بعبادته (وَإِذْ) أخذ الله (مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) [البقرة : ٨٣] (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) [النساء : ٣٦] وكذا ما بعدهما عاطفا على ما قدرته أول السورة من نحو أن يقال : وأمرنا الناس أجمعين أن يكونوا بطاعتنا في مهلة الأجل عاملين ولمعصيتنا مجتنبين : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ) أي هذا النوع الذي أنس بنفسه (بِوالِدَيْهِ) ولما
__________________
(١) أخرجه أحمد ١ / ٤٠٩ والبخاري ٧٥٣٤ ومسلم ٨٥ والنسائي ١ / ٢٩٢ والترمذي ١٧٣ وغيرهم عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
