ولما كان هذا أمرا باهرا ، عظمه بقوله على وجه الاستثمار من قدرته : (ذلِكَ) أي الأمر العظيم الرتبة من تفضيل الرسول وقومه وجعلهم متبوعين بعد أن كان العرب أتباعا لا وزن لهم عند غيرهم من الطوائف (فَضْلُ اللهِ) أي الذي له جميع صفات الكمال ، والفضل ما لم يكن مستحقا بخلاف الفرض (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) بحوله وقوته بأن يهيئه له ولو كان أبعد الناس منه (وَاللهُ) أي الملك الأعظم (ذُو الْفَضْلِ) ولما كانت «آل» دالة على الكمال دل على ذلك بقوله : (الْعَظِيمِ) أي الذي يحقر دونه كل عطاء من غيره.
(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦))
ولما أدب عباده المؤمنين في الممتحنة عما يؤذي رسول الله صلىاللهعليهوسلم وأتمه في الصف بما حذر من إزاغة القلوب لمن آذى نبيه موسى عليه الصلاة والسّلام ، وأعلم أنه سبحانه جمع الآداب كلها في هذا الكتاب الذي أنزله على نبيهم الذي جعله خاتم الأنبياء وأشرف الأصفياء ، ودل على فضله العظيم بتعليم الجاهل ، دل على عقابه الأليم تتميما للدلالة على باهر قدرته بتجهيل العالم بإزاغة قلبه وإذهاب لبه بيأسه من الآخرة لغضبه عليه تحذيرا من الوقوع بما يوجب الإضلال بعد العلم ، فقال جوابا لمن كأنه قال : هذا فضله على الجاهل فكيف فعله بالعالم؟ فقال تحذيرا لمن يزكي فلا يتزكى بأن يقول ما لا يعمل ، ويحمل الكتاب فيحمله غير عالم به من أن يفعل به ما فعل باليهود من الذل في الدنيا والخزي والعذاب في الآخرة بإزاغة القلوب وإحاطة الذنوب فيكون أقبح مما قيل فيه :
|
من فاته العلم وأخطأ الغنى |
|
فذاك والكلب على حد سوا |
(مَثَلُ الَّذِينَ) ولما كان العلم ولا سيما الرباني يجب أن يفرح به ويرغب فيه من أيّ موصل كان ، بني للمجهول قوله وصيانة لاسمه الشريف عن أن يذكر عند العصيان : (حُمِّلُوا التَّوْراةَ) أي كلفوا وألزموا حمل الكتاب الذي آتاه الله لبني إسرائيل على لسان موسى عليه الصلاة والسّلام بأن علمهم إياها سبحانه وكلفهم حفظ ألفاظها عن التغيير والنسيان ومعانيها عن التحريف والتلبيس وحدودها وأحكامها عن الإهمال والتضييع.
ولما كان تركهم لحملها وهي من عند الله وعلى لسان رجل منهم هو أعظم في أنفسهم وأجلهم إحسانا إليهم في غاية البعد ولا سيما مع طول الزمان المسهل لحفظها
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
