ولما كان أكثرهم منكرا لما لزمه القطع به بهذا البرهان الزاهر والسلطان الظاهر القاهر عنادا ولددا وإن كان باطنه على غير ذلك ، فكان فعله فعل الشاك اللاعب ، كان التقدير لأجل ما يظهر من حالهم : لكنكم غير موقنين بعلم من العلوم ، بنى عليه قوله مع الصرف إلى الغيبة إعراضا عنهم إيذانا بالغضب ، وأنهم أهل للمعاجلة بالعطب : (بَلْ هُمْ) أي بضمائرهم (فِي شَكٍ) لأنهم لا يجردون أنفسهم من شوائب المكدرات لصفاء العلم ، ثم أعلم نبيه صلىاللهعليهوسلم أن الشاغل لهم عن هذا المهم حال الصبيان مع ادعائهم الكمال بأخلاق الأجلاء من الرجال فقال : (يَلْعَبُونَ) أي يفعلون دائما فعل التارك لما هو فيه من أجد الجد الذي لا مرية فيه إلى اللعب الذي لا فائدة فيه ولا ثمرة له بوجه بعد فعل الشاك بالإعراض وعدم الإسراع إلى التصديق والإيفاض.
ولما كان هذا موضع أن يقول الرسول صلىاللهعليهوسلم المفهوم من السياق : فماذا صنع فيهم بعد هذا البيان ، الذي لم يدع لبسا لإنسان؟ سبب عن ذلك قوله تسلية له وتهديدا لهم : (فَارْتَقِبْ) أي انتظر بكل جهدك عاليا عليهم ناظرا لأحوالهم نظر من هو حارس لها ، متحفظا من مثلها بهمة كهمة الأسد الأرقب ، والفعل متعد ولكنه قصر تهويلا لذهاب الوهم في مفعوله كل مذهب ، ولعل المراد في الأصل ما يحصل من أسباب نصرك وموجبات خذلانهم (يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ) أي فيما يخيل للعين لما يغشي البصر من شدة الجهد بالجوع إن كان المراد ما حصل لهم من المجاعة الناشئة عن القحط الذي سببه قوله صلىاللهعليهوسلم «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» (١) وروي في الصحيح أن الرجل منهم كان يرى ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان (٢) ، وفي الواقع أن المراد عند قرب الساعة وعقب قيامها ، فإنه ورد أنه يأتي إذ ذاك فيغشي الناس ويحصل للمؤمن منه كهيئة الزكام ، ويجوز أن يكون المراد أعم من ذلك كله وأوله وقت القحط وكان آية على ما بعده ، أو منه ما يأتي عند خروج الدخان من القحط الذي يحصل قبله أو غيره كما قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم لابن صياد : إني قد خبأت لك خبأ فما هو؟ قال : الدخ (٣) ، ففسر بالدخان ، فلذلك قال تعالى : (بِدُخانٍ مُبِينٍ) أي واضح لا لبس فيه عند رائيه ومبين لما سواه من الآيات للفطن (يَغْشَى النَّاسَ) أي المهددين بهذا ، وهم الذين رضوا بحضيض النوس والاضطراب عن أوج الثبات في رتبة الصواب ، روى مسلم في صحيحه عن أبي
__________________
(١) تقدم في عدة مناسبات.
(٢) أخرجه البخاري ٤٨٢١ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(٣) أخرجه أحمد ١ / ٣٨٠ ومسلم ٢٩٢٤ وابن حبان ٦٧٨٣ والطحاوي في المشكل ٤ / ٩٩ عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
