ولما كان الكذب قد يطلق في اللغة على ما يخالف الواقع وإن كان عن غير تعمد بأن يكون الحالف يجهل عدم مطابقته للواقع ، قال نافيا لذلك مبينا أنهم جرؤوا على اليمين الغموس : (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أي أنهم كاذبون فهم متعمدون ، وذلك أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال لأصحابه : «يدخل عليكم رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان ،» فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق أسمر قصيرا خفيف اللحية ، فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : «علام تشتمني أنت وأصحابك ، فحلف بالله ما فعل» فقال له : فعلت. فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه ، فنزلت (١).
ولما أخبر عن حالهم ، أتبعه الإخبار عن مآلهم ، فقال دالّا ـ كما قال القشيري ـ على أن ـ من وافق مغضوبا عليه أشرك نفسه في استحقاق غضب من هو غضبان عليه ، فمن تولى مغضوبا عليه من قبل الله استوجب غضب الله وكفى بذلك هوانا وحزنا وحرمانا ، معبرا بما دل على أنه أمر قد فرغ منه : (أَعَدَّ اللهُ) أي الذي له العظمة الباهرة فلا كفوء له ، وعبر بما دل على التهكم بهم فقال : (لَهُمْ عَذاباً) أي أمرا قاطعا لكل عذوبة (شَدِيداً) يعلم من رآه ورآهم أن ذواتهم متداعية إليه ضعيفة عنه.
ولما أخبر بعذابهم ، علله بما دل على أنه واقع في أتم مواقعه فقال مؤكدا تقبيحا على من كان يستحسن أفعالهم : (إِنَّهُمْ ساءَ) أي بلغ الغاية مما يسوء ، ودل على أن ذلك كان لهم كالجبلة بقوله : (ما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي يجددون عمله مستمرين عليه لا ينفكون عنه من غشهم المؤمنين ونصحهم الكافرين وعيبهم للإسلام وأهله ، واجترائهم على الأيمان الكاذبة ، وأصروا على ذلك حتى زادهم التمرن عليه جرأة على جميع المعاصي.
(اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩))
ولما دلت هذه الجملة على سوء أعمالهم ومداومتهم عليها ، أكد ذلك بقوله : (اتَّخَذُوا) أي كلفوا فطرهم الأولى المستقيمة لما لهم من العراقة في اعوجاج الطبع والمحبة للأذى (أَيْمانَهُمْ) الكاذبة التي لا تهون على من في قلبه مثقال حبة من خردل
__________________
(١) أخرجه الحاكم ٢ / ٤٨٢ والطبراني في الكبير ١٢٣٠٧ والواحدي في أسبابه ص ٣٠٩ وأحمد ١ / ٢٤٠ و ٢٦٧ من حديث ابن عباس وإسناده حسن وقد صححه الحاكم على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
