طاقة ، وتلاشى عندها صياحهم حين نادوا صاحبهم لعقر الناقة. ولما تسبب عنها هلاكهم قال : (فَكانُوا) كونا عظيما (كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) أي محطمين كالشجر اليابس الذي جعله الراعي ومن في معناه ممن يجعل شيئا يأوي إليه ويحتفظ به ويحفظ به ماشيته في وقت ما لا يقاله (؟) وهو حظيره أي شيء مستدير مانع في ذلك الوقت لمن يدخل إليه فهو يتهشم ويتحطم كثير منه وهو يعمله فتدوسه الغنم ثم تتحطم أولا فأولا ، وكل ما سقط منه شيء فداسته الغنم كان هشيما ، وكأنه الحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته.
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦)) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩))
ولما كان التقدير : فلقد أبلغنا في الموعظة لكل من يسمع هذه القصة ، عطف عليه قوله مؤكدا لأجل من يعرض عن هذا القرآن ويعلل إعراضه عنه بصعوبته : (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا) أي على ما لنا من القدرة والعظمة (الْقُرْآنَ) أي الكتاب الجامع لكل خير ، الفارق بين كل ملبس (لِلذِّكْرِ) أي الحفظ والتذكير والتذكر وحصول النباهة به والشرف إلى الدارين. ولما كان هذا غاية في وجوب الإقبال عليه لجميع المتولين ، قال : (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) أي ناظر فيه بسبب قولنا هذا بعين الإنصاف والتجرد عن الهوى ليرى كل ما أخبرنا به فنعينه عليه. ولما كان النذير : كأنه قال المنذرين لم يتعظوا به فزاد في وعظهم ، وكانت قصة لوط عليهالسلام مع قومه أعظم ما كان بعد ثمود مما تعرفه العرب بالأخبار ورؤية الآثار ، ومع ما في قصتهم من تصوير الساعة من تبديل الأرض غير الأرض ، استأنف قوله : (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ) أي وهم في قوة عظيمة على ما يحاولونه وإن كانوا في تكذيبهم هذا في ضعف وقوع النساء عن التجرد مما دل عليه تأنيث الفعل بالتاء وكذا ما قبلها من القصص (بِالنُّذُرِ) أي الإنذار والإنذارات والمنذرين ، ودل على تناهي القباحة في مرتكبهم بتقديم الإخبار عن عذابهم فقال : (إِنَّا) أي بما لنا من العظمة (أَرْسَلْنا) ودل على أنه إرسال إهانة بقوله : (عَلَيْهِمْ) ودل على هوانهم وبلوغ أمره كل ما يراد به بقوله : (حاصِباً) أي ريحا ترمي بحجارة هي دون ملء الكف فكانت مهلكة لهم محرقة خاسفة مفرقة (إِلَّا آلَ لُوطٍ) وهم من آمن به وكان بحيث إذا رأيته فكأنك رأيت لوطا عليهالسلام لما يلوح عليه من أفعاله والمشي على منواله في أقواله وأحواله وأفعاله.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
