تُبْصِرُونَ) ثم أعقب بذكر حال المؤمنين المستجيبين ، ثم ذكر إثر إعلامه بحال الفريقين ـ نعمته على نبيه عليه الصلاة والسّلام وعصمته ووقايته مما يقول المفترون فقال تعالى (فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ) ثم جرت الآي على توبيخهم في مقالتهم ووهن انتقالاتهم ، فمرة يقولون : كاهن ، ومرة يقولون : مجنون ، ومرة يقولون : شاعر يترقب موته. فوبخهم على ذلك كله وبين كذبهم وأرغمهم وأسقط ما بأيديهم بقوله (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ) وهذا هو المسقط لما تقولوه أولا وآخرا ، وهذا الذي لم يجدوا عنه جوابا ، ورضوا بالسيف والجلاء ، لم يتعرضوا لتعاطي معارضته ، وهذا هو الوارد في قوله تعالى في صدر سورة البقرة (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) [البقرة : ٢٣] الآيات ، فما نطقوا في جوابه ببنت شفة (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) [الإسراء : ٨٨] فتبارك من جعله آية باهرة وحجة قاهرة ـ انتهى.
ولما أثبت وقوع العذاب ، تشوفت نفس الموقن إلى وقته ، قال مستأنفا لبيان أنه واقع على تلك الصفة : (يَوْمَ تَمُورُ) أي تتحرك وتضطرب وتجيء وتذهب وتتكفأ تكفأ السفينة وتدور دوران الرحى ، ويموج بعضها في بعض ، وتختلف أجزاؤها بعضها في بعض ، ولا تزول عن مكان ؛ قال البغوي : والمور يجمع هذه المعاني فهو في اللغة الذهاب والمجيء والتردد والدوران والاضطراب ، قال الرازي : وقيل : تجيء وتذهب كالدخان ثم تضمحل. (السَّماءُ) التي هي سقف بيتكم الأرض (مَوْراً) أي اضطرابا شديدا (وَتَسِيرُ الْجِبالُ) أي تنتقل من أمكنتها انتقال السحاب ، وحقق معناه بقوله : (سَيْراً) فتصير هباء منثورا وتكون الأرض قاعا صفصفا.
(فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦))
ولما حقق العذاب وبين يومه ، بين أهله بقوله مسببا عن ذلك : (فَوَيْلٌ) هي كلمة يقولونها لمن وقع في الهلاك ، ومعناه حلول شر فاضح يكون فيه ندبة وتفجع (يَوْمَئِذٍ) أي يوم إذ يكون ما تقدم ذكره (لِلْمُكَذِّبِينَ) أي العريقين في التكذيب وهم من مات على نسبة الصادقين إلى الكذب.
ولما كان التكذيب قد يكون في محله ، بين أن المراد تكذيب ما محله الصدق فقال : (الَّذِينَ هُمْ) أي من بين الناس بظواهرهم وبواطنهم (فِي خَوْضٍ) أي أعمالهم
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
