(الْمُنافِقُونَ) أي العريقون في وصف النفاق وهو إسلام الظاهر وكفر الباطن ، وأغلبهم من اليهود (قالُوا) مؤكدين لأجل استشعارهم لتكذيب من يسمعهم لما عندهم من الارتياب : (نَشْهَدُ) قال الحسن : هو بمنزلة يمين كأنهم قالوا : نقسم (إِنَّكَ) ـ التأكيد لذلك وإيهاما لأن قوة تأكيدهم لشدة رغبتهم في مضمون ما يقولونه (لَرَسُولُ اللهِ) أي الملك الذي له الإحاطة الكاملة ، فوافقوا الحق بظاهر أحوالهم ، وخالفوا بقلوبهم وأفعالهم.
ولما كانت الشهادة الإخبار عن علم اليقين لأنها من الشهود وهو كمال الحضور وتمام الاطلاع ومواطأة القلوب للألسنة ، صدق سبحانه المشهود به وكذبهم في الإقسام بالشهادة ومواطأة ألسنتهم لقلوبهم فقال : (وَاللهُ يَعْلَمُ) أي وعلمه هو العلم في الحقيقة ، وأكده سبحانه بحسب إنكار المنافقين فقال : (إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) سواء شهد المنافقون بذلك أم لم يشهدوا ، فالشهادة بذلك حق ممن يطابق لسانه قلبه ، وتوسط هذا بين شهادتهم وتكذيبهم لئلا يتوهم أن ما تضمنته شهادتهم من الرسالة كذب.
ولما كان ربما ظن أن هذا تأكيد لكلام المنافقين ، دل على أنه تحقيق لمضمون كلامهم دون شهادتهم فقال : (وَاللهُ) أي المحيط بجميع صفات الكمال (يَشْهَدُ) شهادة هي الشهادة لأنها محيطة بدقائق الظاهر والباطن (إِنَّ الْمُنافِقِينَ) أي الراسخين في وصف النفاق (لَكاذِبُونَ) أي في إخبارهم عن أنفسهم أنهم يشهدون لأن قلوبهم لا تطابق ألسنتهم فهم لا يعتقدون ذلك ، ومن شرط قول الحق أن يتصل ظاهره باطنه وسره بعلانيته ، ومتى تخالف ذلك فهو كذب ، لا المراد أنهم كاذبون في صحة ما تضمنته شهادتهم من أنك رسول الله والحاصل أن الشهادة تتضمن شيئين : صدق مضمون الخبر والإذعان له ، فصدقهم الله في الأول وكذبهم في الثاني فصاروا بنفاقهم أسفل حالا وشر مآلا من اليهود.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما أعقب حال المؤمنين فيما خصهم الله به مما انطوت عليه الآيات الثلاث إلى صدر سورة الجمعة إلى قوله : (وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الجمعة : ٤] بذكر حال من لم ينتفع بما حمل حسبما تقدم ، وكان في ذلك من المواعظ والتنبيه ما ينتفع به من سبقت له السعادة ، أتبع بما هو أوقع في الغرض وأبلغ في المقصود ، وهو ذكر طائفة بين أظهر من قدم الثناء عليهم ومن أقرانهم وأترابهم وأقاربهم ، تلبست في الظاهر بالإيمان ، وأظهرت الانقياد والإذعان ، وتعرضت فأعرضت وتنصلت فما وصلت ، بل عاقتها الأقدار ، فعميت البصائر والأبصار ، ومن المطرد المعلوم أن اتعاظ الإنسان بأقرب الناس إليه وبأهل زمانه أغلب من اتعاظه بمن بعد عنه
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
