زمانا ونسبا ، فأتبعت سورة الجمعة بسورة المنافقين وعظا للمؤمنين بحال أهل النفاق ، وبسط من قصصهم ما يلائم ما ذكرناه ، وكان قيل لهم : ليس من أظهر الانقياد والاستجابة ، ثم بني إسرائيل ثم كان فيما حمل كمثل الحمار يحمل أسفارا بأعجب من حال إخوانكم زمانا وقرابة ، وأنتم أعرف الناس بهم وأنهم قد كانوا في الجاهلية موصوفين بجودة الرأي وحسن النظر (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) [المنافقين : ٤] (وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ) [المنافقين : ٧] قلت : وقد مر في الخطبة ما رويناه في مصنف ابن أبي شيبة من قول أناس من المؤمنين : كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين فيبشر بها المؤمنين ويحرضهم ، وأما سورة المنافقين فيوئس بها المنافقين ويوبخهم ، وهذا نحو ما ذكرناه أولا ـ انتهى.
ولما كان المعنى أنهم لم يعتقدوا ما شهدوا به ، وكان كأنه قيل : فما الحامل لهم على هذا الكلام المؤكد والكذب في غاية القباحة لا سيما عند العرب ، علله بقوله مسميا شهادتهم إيمانا لأن الشهادة تجري مجرى القسم في إرادة التوكيد ، ولذلك يتلقى بما يتلقى به القسم : (اتَّخَذُوا) أي أخذوا بجهدهم (أَيْمانَهُمْ) أي كلها من شهادتهم هذه المجتهد في توكيدها وكل يمين سواها (جُنَّةً) أي وقاية تقيهم المكاره الدنيوية ويستترون بها منها فيصونون بها دماءهم وأموالهم ، فاستضاؤوا بنور الإجابة فلم ينبسط عليهم شعاع نور السعادة فانطفأ نورهم بقهر الحرمان ، وبقوا في ظلمات القسمة السابقة بحكم الخذلان (فَصَدُّوا) أي فسبب لهم اتخاذهم هذا أن أعرضوا بأنفسهم مع سوء البواطن وحرارة الصدور ، وحملوا غيرهم على الإعراض لما يرى من سيىء أحوالهم بتلك الظواهر مع بقائهم على ما كانوا ألفوه من الكفر الذي يزينه الشيطان (عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي عن طريق الملك الأعظم الذي شرعه لعباده ليصلوا به إلى محل رضوانه ، ووصلوا إلى ذلك بخداعهم ومكرهم بجرأتهم على الأيمان الحانثة التي يمشون حالهم بها لما شرعه الله في هذه الحنيفية السمحة من القناعة من الحالف بيمينه فيما لا يعلم إلا من قبله.
ولما كان ما أخبر به من حالهم في غاية القباحة ، أنتج قوله : (إِنَّهُمْ) وأكده لأن حالهم يعجبهم ويعجب كثيرا ممن قاربهم (ساءَ ما كانُوا) أي جبلة وطبعا (يَعْمَلُونَ) أي يجددون عمله مستمرين عليه بما هو كالجبلة من جرأتهم على الله ورسوله صلىاللهعليهوسلم وخلص عباده بالأيمان الحانثة.
(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
