بحيث لا يخاف وعيده ، فلا يخوض ولا يلعب عبده ، ومن خاض منهم أو لعب فلا يلومن إلا نفسه ، فإن عمله محفوظ بعلمه فهو مجاز عليه بحكمته.
ولما نزه ذاته الأقدس وأثبت لنفسه استحقاق الإلهية بالإجماع من خلقه بما ركزه في فطرهم وهداهم إليه بعقولهم ، أتبع ذلك أدلة أخرى بإثبات كل كمال بما تسعه العقول وبما لا تسعه مصرحا بالملك فقال : (وَتَبارَكَ) أي ثبت ثباتا لا يشبهه ثبات لأنه لا زوال مع التيمن والبركة وكل كمال ، فلا تشبيه له حتى يدعي أنه ولد له أو شريك ، ثم وصفه بما يبين تباركه واختصاصه بالإلهية فقال : (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ) أي كلها (وَالْأَرْضِ) كذلك (وَما بَيْنَهُما) وبين كل اثنين منها ، والدليل على هذا الإجماع القائم على توحيده عند الاضطرار.
ولما ثبت اختصاصه بالملك وكان الملك لا يكون إلا عالما بملكه وكان ربما ادعى مدع وتكذب معاند في الملك أو العلم ، قطع الأطماع بقوله : (وَعِنْدَهُ) أي وحده (عِلْمُ السَّاعَةِ) سائقا له مساق ما هو معلوم الكون ، لا مجال للخلاف فيه إشارة إلى ما عليها من الأدلة القطعية المركوزة في الفطر الأولى فكيف بما يؤدي إليه الفكر من الذكر المنبه عليه السمع ، ولأن من ثبت اختصاصه بالملك وجب قبول أخباره لذاته ، وخوفا من سطواته ، ورجاء في بركاته (وَإِلَيْهِ) أي وحده لا إلى غيره بعد قيام الساعة (تُرْجَعُونَ) بأيسر أمر تحقيقا لملكه وقطعا للنزاع في وحدانيته ، وقراءة الجماعة وهم من عدا ابن كثير وحمزة والكسائي وورش عن يعقوب بالخطاب أشد تهديدا من قراءة الباقين بالغيب ، وأدل على تناهي الغضب على من لا يقبل إليه بالمتاب بعد رفع كل ما يمكن أن يتسبب عنه ارتياب.
ولما أرشد السياق قطعا إلى التقدير : فلا شريك له في شيء من ذلك ولا ولده ولا يقدر أحد منهم على التخلف عن الرجوع إليه كما أنه لا يقدر أحد على مدافعة قضائه وقدره ، عطف عليه قوله : (وَلا يَمْلِكُ) أي بوجه من الوجوه في وقت ما (الَّذِينَ يَدْعُونَ) أي يجعلونهم في موضع الدعاء بعبادتهم لهم ، وبين سفول رتبتهم بقوله تعالى : (مِنْ دُونِهِ) من أدنى رتبة من رتبته من الأصنام والملائكة والبشر وغيرهم (الشَّفاعَةَ) أي فلا يكون منهم شفيع كما زعموا أنهم شفعاؤهم (إِلَّا مَنْ شَهِدَ) أي منهم (بِالْحَقِ) أي التوحيد الذي يطابقه الواقع إذا انكشف أتم انكشاف وكذا ما يتبعه فإنه يكون أهلا لأن يشفع كالملائكة والمسيح عليهم الصلاة والسّلام ، والمعنى أن أصنامهم التي ادعوا أنها تشفع لهم لا تشفع غير أنه تعالى ساقه على أبلغ ما يكون لأنه كالدعوى.
ولما كان ذلك مركوزا حتى في فطر الكفار فلا يفزعون في وقت الشدائد إلا إلى
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
