وخصوصها بي لكوني عبده خالصا له يمنع على زعمكم من أن يشقيني وأنا أخلص له ، فبطلت شبهتكم بمثلها بل أقوى منها ، وهذا مما علق بشيء هو بنقيضه أولى ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن «أن» نافية بمعنى : ما ينبغي أي ما كان له ولد ، فإني أول من عبده رتبة وما علمت له ولدا ، ولو كان له ولد لعلمته فعبدته تقربا إليه بعبادة ولده.
ولما بطلت الشبهة على تقدير ببرهان ، وعلى آخر بشبهة أقوى منها ، وظهر الأمر واتضح الحق في أنه سبحانه يشاء لشخص فعل شيء ولآخر عدم فعل ذلك الشيء وفعل ضده أو نقيضه ، ومن المعلوم قطعا أنه لا يكون فعل النقيضين ولا الضدين في آن واحد حقا من وجه واحد ، فعرف بذلك أن العبرة في الحلال والحرام بأمره ونهيه لا بإرادته ، وأنه لو لا ذلك لما علم أنه فاعل بالاختيار يخص من يشاء من عباده بما يشاء بعد أن عمهم بما شاء ، كان موضع التنزيه عما نسبوه إليه من الباطل ، فقال منزها على وجه مظهر أنه لا يصح أن ينسب إليه ولد أصلا : (سُبْحانَ رَبِ) أي مبدع ومالك (السَّماواتِ) ولما كان المقام للتنزيه وجهة العلوية أجدر ، لأنه أبعد عن النقص والنقيض ، لم يقتض الحال إعادة لفظ الرب بخلاف ما يأتي آخر الجاثية ، فإنه لإثبات الكمال ونظره إلى جميع الأشياء على حد سواء فقال : (وَالْأَرْضِ) أي اللتين كل ما فيهما ومن فيهما مقهور مربوب محتاج لا يصح أن يكون له منه سبحانه نسبة بغير العبودية بالإيجاد والتربية.
ولما كانت خاصة الملك أن يكون له ما لا يصل إليه غيره بوجه أصلا ، قال محققا لملكه لجميع ما سواه ومن سواه وملكه له ، ولم يعد العاطف لأن العرش من السماوات : (رَبِّ الْعَرْشِ) أي المختص به لكونه خاصة الملك الذي وسع كرسيه السماوات والأرض (عَمَّا يَصِفُونَ) من أنه له ولد أو شريك.
ولما حصحص الحق لمعت في الموجود كله أعلام الصدق بعد بطلان شبهتهم وبيان أغلوطتهم ، عرف أنهم فاعلون بوضع الأشياء في غير مواضعها فعل الخائض اللاعب ، فقال مسببا عن ذلك : (فَذَرْهُمْ) أي اتركهم على أسوأ أحوالهم (يَخُوضُوا) أي يفعلوا فعل الخائض في الماء في وضع رجله التي هي عماده فيما لا يعرفه ، وقد لا يرضاه لكونه لا علم له به (وَيَلْعَبُوا) أي يفعلوا فعل اللاعب في انهماكه في فعل ما ينقصه ولا يزيده (حَتَّى يُلاقُوا) أي يفعلوا بتصريم أعمارهم في فعل ما لا ينفعهم فعل المجتهدين في أن يلقوا (يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) بوعد لا خلف فيه فيظهر فيه وعيدهم ويحق تهديدهم.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
