اشتداد الغرابة : (لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) أي يجددون الكتابة كلما تجدد ما يقتضيها لأن الكتابة أوقع في التهديد ، لأن من علم أن أعماله محصاة مكتوبة تجنب ما يخاف عاقبته.
ولما تقدم أول السورة تبكيتهم والتعجيب منهم في ادعائهم لله ولدا من الملائكة وهددهم بقوله (سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ) وذكر شبههم في قولهم (لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ) وجهلهم فيها بقوله (ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ) ونفى أن يكون لهم على ذلك دليل سمعي بقوله منكرا موبخا (أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً) ومر في توهية أمرهم في ذلك وغيره بما لاحم بعضه بعضا على ما تقدم إلى أن تمم نفي الدليل السمعي على طريق النشر المشوش بقوله تعالى (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ،) ونظم به ما أتى به رسوله أهل الكتاب مما يصدق ما أتى به كتابنا من التوحيد وما هدد به من أعرض عنه إلى أن أخبر أنه الحق الذي لا زوال أصلا لشيء منه ، وأن رسله سبحانه تكتب جميع أعمالهم من شهادتهم في الملائكة وغيرها ، أعاد الكلام في إبطال شبهتهم في أن عبادتهم لهم لو كانت ممنوعة لم يشأها الذي له عموم الرحمة لأن عموم رحمته يمنع على زعمهم مشيئة ما هو محرم ، فقال بعد أن نفى قوله (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا) أن يكون لهم دليل سمعي على أحد من رسله عليهم الصلاة والسّلام : (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ) أي العام الرحمة (وَلَدٌ) على ما زعمتم ، والمراد به الجنس لا دعائهم في الملائكة ، وغيرهم في غيرهم ، وقراءة حمزة والكسائي بضم ثم سكون على أنه جمع على إرادة الكثرة. ولما كان المعنى : فأنا ما عبدت ذلك الولد ولا أعبده ، ولو شاء الرحمن ما تركت عبادته ، ولكنه شاء تركي لها وشاء فعلكم لها ، فإحداهما قطعا مشيئة للباطل ، وإلا لاجتمع النقيضان بأن يكون الشيء حقا باطلا في حال واحد من وجه واحد ، وهو بديهي الاستحالة ، فبطلت شبهتكم بدليل قطعي ـ هكذا كان الأصل ، ولكنه عدل عنه إلى ما يفيد معناه وزيادة أنه يعبد الله مخلصا ولا يعبد غيره ، وأنه لا يستحق اسم العبادة إلا ما كان له خالصا ، فقال : (فَأَنَا) أي في الرتبة (أَوَّلُ الْعابِدِينَ) للرحمن ، العبادة التي هي العبادة ولا يستحق غيرها أن يسمى عبادة وهي الخالصة ، أي فأنا لا أعبد غيره لا ولدا ولا غيره ، ولم يشأ الرحمن لي أن أعبد الولد ، أو يكون المعنى : أنا أول العابدين للرحمن على وجه الإخلاص ، لم أشرك به شيئا أصلا في وقت من الأوقات مما سميتموه ولدا أو شريكا أو غيره ، ولو شاء ما عبدته على وجه الإخلاص ، ولا شك عندكم وعند غيركم أن من أخلص لأحد كان أولى من غيره برحمة ، فلو أن الإخلاص له ممنوع ما شاء لي ، ولو لا أن عبادة غيره ممنوعة لشاءها لي ، ولو أن له ولدا لشاء لي عبادته ، فإن عموم رحمته لكافة خلقه لكونهم خلقه
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
