يشهدون إلا الظواهر ولا يشهدون من الباطن ، ولذلك انعجم معناه على كثير من فصحاء العرب ، فمفهوم معناه مومجب توحيده فواضح إذ لا مهيمن بمعنى أنه شهيد على الوجه المشروح مع الأمانة المأمونة والحفظ والرعاية فيكون قائما على كل شيء بكل ما له من رزق وعمل وأجل إلا هو ، ولذلك كان القرآن الذي هو صفته سبحانه وتعالى مهيمنا على جميع الكتب التي قبله مصدقا لما يستحق التصديق منها مكذبا لما يستحق التكذيب ، فمن كان به أمهر كان بذلك أعلم.
ولما كان تمام الخبرة ملزوما لتمام القدرة ، صرح بهذا اللازم فقال ؛ (الْعَزِيزُ) والعزة غلبة لا يجد معها المغلوب وجه مدافعة ولا انفلات ولا إعجاز ، فالعزيز الذي صعب على طالبه إدراكه مع افتقار كل شيء إليه في كل لحظة ، الشديد في انتقامه الذي لا معجز له في إنفاذ حكمه ، ولذلك ينظم كثيرا بآيات إمضاء الأحكام متصلا بالحكمة والعلم إنباء عن العدل ، قال الغزالي : وهو الذي يقل وجود مثله وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه. ولما كان المغلوب على الشيء فيؤخذ من يده قد لا ينقاد باطنا فلا يباشر ما غلب عليه للغالب وقد لا يكون العز ظاهرا لكل أحد ، أردفه بقوله : (الْجَبَّارُ) وهو العظيم الذي يفوت المقاوم مناله ، فهو على هذا من أسماء الذات ويصلح أمور من يريد من الخلق ويقهرهم على ما يريد ، فهم أحقر من أن يعصوه طرفة عين بغير إرادته ، والجبر : طول يلجيء الأدنى لما يريد منه الأعلى ويغيب من الأعلى ما يحاول مناله منه الأدنى مع الظهور التام الذي تدور مادته عليه ، فالجبار لا يخرج شيء من قبضته ، وتقصر الأيدي عن حمى عز حصرته ، ولا ينال منه إلا ما نوّل ، وهو أبعد شيء عن أوصاف الخلق لمنال الذباب منهم ما شاء وعجزهم عنه ، ولما فيه من الإلجاء كان هو الاسم الذي يلجىء النار لقصرها على مراده منها من الحسب الذي جبلها على ضده من الاستزادة فلا تزال تقول ما جبلت عليه : هل من مزيد ، حتى يضع الجبار فيها قدمه أي يهينها فإن القدم موضع الإهانة ، وهذه الإهانة ـ هي من مبدأ ظهور غلبة الرحمة للغضب ، فله الملك ظهورا بالأيدي الظاهرة من الإنسان وما دونه ، وله الملكوت بطونا بالأيدي الباطنة من الملك وما دونه ، وله الجبروت اختصاصا من وراء كل ملك وملكوت.
ولما كان الإلجاء قد يكون بنوع ملاطفة ، أتبعه قوله : (الْمُتَكَبِّرُ) ليعم الإلجاء الظاهر والباطن فالكبرياء جملة تأدي أمر الله وظاهر خلقه الذي يجد الخلق صغرهم من دونه وكبره عليهم وامتناعه عما لا يريد من مرادهم ، لأن الكل حقيرون بالإضافة إلى جلاله وعز جبروته وعظمته وكماله ، ولسواء الخلق في عام حضرة القدرة شملهم الصغر
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
