اسم القدس كروح القدس المؤيد للشارع ينفث في روعة المؤيد لشاعره في مكافحته عنه ، ولأجل قصر تخلي الخالق بالملك في قليل متاع الدنيا رغب النبي العبد صلىاللهعليهوسلم عنه ، واختار العبودية الدائمة بدوام العزة لسيده ، فوضح بذلك علم أن لا قدوس إلا الله حقيقة معنى وتصحيح إحاطة.
ولما كان سبحانه لتمام ملكه وعلو ملكه وكمال قدسه لا يتصور أن يلحقه نقص في ذات ولا صفة ولا فعل ، فلا يقبح منه إهلاك على حال من الأحوال ولامس بضر في الدنيا والآخرة في وقت من الأوقات لأنه سبحانه ، لعلمه بالظواهر والبواطن على حد سواء ، يصنع الأمور في أحكم مواضعها بما لا يدركه غيره أصلا أو لا يدركه حق إدراكه فاحتيج إلى ما يؤمن من ذلك ، وكان السّلام حد ما بين الألفة والفرقة وحد ما بين الرحمة والسطوة وهو أدنى منال الجاهل من عباد الرحمان ، ومنال المعتدي من المقتدر ، وكان سلام المسلم للجاهل مداراة لئلا يزيد في جهله عليه ، أو ارتقابا لاستقبال مكنة ، وكان الله لا يعبأ بالخلق ولا يحتاج لارتقاب مكنة لأنه لا يعجزه شيء فلم يتحقق السّلام بكل معنى من وجود السلامة له وإفاضتها على غيره تماما إلا منه إعفاء من معاجلة استحقاق السطوة وحفيظة لحرمة اختصاص الرحمة ، أتبع ذلك مؤمنا للعاصي من المعاجلة وللمطيع من سوء المعاملة قوله : (السَّلامُ) لأنه حد ما بينهما ظاهرا ، ولذلك أردفه بما يتعلق بالباطن لتحصل إحاطة السلامة ظاهرا وباطنا فقال : (الْمُؤْمِنُ) لأن الأمن حد ما بين المحبة والكره فيمن لا وسيلة له للحب وهو أدنى ما يقبله ذو الحق ممن يستحق منه الحب ، ولذلك لم يقبل بذلك الحق ممن كان ظاهر الوسيلة للحب ـ إلا بالحب فلم يثبت إيمان المؤمن بمجرد الإيمان حبا له بل إيثارا لمحبته على كل حب ومساواة لأخيه المؤمن فيما يحب لنفسه ، وأدناه الأمنة في الغيب من الغيبة والعيب إلى غاية الأمان من بوائق الغشم والظلم من الجار المستحق حفظ جاره في غيبه ، فالإحلال بالإيمان لكونه الأمنة في الغيب نفاق ، والإخلال بالإسلام لكونه السلم في المواجهة إحرام ، فبأدنى إخلال في جانب الحق أو الخلق ينثلم الإسلام والإيمان ، وذلك كله إنما هو في الحقيقة من الله تعالى فهو الذي يعزى إليه الأمن والأمان بإفادته أسبابه ومنع أسباب المخاوف فلا أمن في الوجود ولا أمان إلا وهو مستفاد من جهته.
ولما كان الاطلاع على بيّن ما ذكر ليتحقق معنى السلم والأمن ، وعلى كل من تلك الحدود خفيا جدا يفتقر إلى مزيد علم ، قال : (الْمُهَيْمِنُ) فإن الهيمنة شهادة خبرة وإحاطة وإبصار لكلية ظاهر الأمر وباطنه بحيث لا يخفى منه خافية هوية ولا بادية ظاهر ، ولإحاطة معناه لا يكاد يقع له في الخلق مسوغ إطلاق إلا مسامحة لأن الخلق لا
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
