بالمشاركة (مَنْ هاجَرَ) وزادهم محبة فيهم وعطفا علهيم بقوله : (إِلَيْهِمْ) لأن القصد إلى الإنسان يوجب حقه عليه لأنه لو لا كمال محبته له ما خصه بالقصد إليه ، والدليل الشهودي على ما أخبر الله عنهم به من المحبة أنهم شاطروا المهاجرين في أموالهم وعرضوا عليهم أن يشاطروهم نساءهم على شدة غيرتهم ، فأبى المهاجرون المشاطرة في النساء وقبلوا منهم الأموال.
ولما أخبرهم بالمحبة ورغبهم في إدامتها ، عطف على هذا الخبر ما هو من ثمراته فقال : (وَلا يَجِدُونَ) أي أصلا (فِي صُدُورِهِمْ) التي هي مساكن قلوبهم فتصدر منها أوامر القلوب فضلا عن أن تنطق ألسنتهم. ولما كان المراد نفي الطلب منهم لما خص به المهاجرين ، وكان الحامل على طلب ذلك الحاجة ، وكان كل أحد يكره أن ينسب إلى الحاجة وإن أخبر بها عن نفسه في وقت ما لغرض قال : (حاجَةً) موقعا اسم السبب على المسبب (مِمَّا أُوتُوا) أي المهاجرون من الفيء وغيره من أموال بني النضير وغيرهم من أي مؤت كان فكيف إذا كان المؤتي هو الله ورسوله صلىاللهعليهوسلم ، وإذا لم يجدوا حاجة تدعوهم إلى الطلب فلأن لا يجدوا حسدا ولا غيظا من باب الأولى ، فهذه الآية من أعظم حاث على حسن الإخاء محذر من الحسد والاستياء. ولما أخبر عن تخليهم عن الرذائل أتبعه الإخبار بتحليهم بالفضائل فقال : (وَيُؤْثِرُونَ) عظم ذلك بقصر الفعل فصار المعنى : يوقعون الأثرة وهي اختيار الأشياء الحسنة لغيرهم تخصيصا لهم بها لا على أحبائهم مثلا بل (عَلى أَنْفُسِهِمْ) فيبذلون لغيرهم (كائنا) من كان ما في أيديهم ، وذكر النفس دليل على أنهم في غاية النزاهة من الرذائل لأن النفس إذا ظهرت كان القلب أطهر ، وأكد ذلك بقوله : (وَلَوْ كانَ) أي كونا هو في غاية المكنة (بِهِمْ) أي خاصة لا بالمؤثر (خَصاصَةٌ) أي فقر وخلل في الأحوال وحاجة شديدة تحيط بهم من كل جانب ، من خصائص البناء وهي فرجه.
ولما كان التقدير : فمن كان كذلك فهو من الصادقين ، عطف عليه قوله : (وَمَنْ) ولما كان المقصود النزاهة عن الرذيلة من أي جهة كانت ، وكان علاج الرذائل صعبا جدا ، لا يطيقه الإنسان إلا بمعونة من الله شديدة ، بنى للمفعول قوله : (يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) أي يحصل بينه وبين أخلاقه الذميمة المشار إليها بالنفس وقاية تحول بينه وبينها ، فلا يكون مانعا لما عنده ، حريصا على ما عند غيره حسدا ، قال ابن عمر رضي الله عنه : الشح أن تطمح عين الرجل فيما ليس له ، قال صلىاللهعليهوسلم : «اتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» (١).
__________________
(١) أخرجه مسلم ٢٥٧٨ من حديث جابر.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
