(الصَّادِقُونَ) العريقون في هذا الوصف لأن مهاجرتهم لما ذكر وتركهم لما وصف دل على كمال صدقهم فيما ادعوه من الإيمان بالله ورسوله صلىاللهعليهوسلم حيث نابذوا من عاداهما وهو القريب الصافي نسبا ودارا وأولوا أولياءهما من كانوا وإن بعدت دارهم وشط مزارهم ، وهذا يدل على أن مبنى الدين على إقامة البينات بالثبات عند الابتلاءات على أن العون قد يأتي على قدر البلاء لأن الله تعالى قد خص المهاجرين مما أذن فيه من أموال بني النضير.
ولما مدح المهاجرين وأعطاهم فطابت نفوس الأنصار بذلك وكانوا في كل حال معه صلىاللهعليهوسلم كالميت بين يدي الغاسل ، مهما شاء فعل ، ومهما أراد منهم صار إليه ووصل ، أتبعه مدحهم جبرا لهم وشكرا لصنيعهم فقال عاطفا على مجموع القصة : (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا) أي جعلوا بغاية جهدهم (الدَّارَ) الكاملة في الدور وهي التي أعدها الله في الأزل للهجرة وهيأها للنصرة وجعلها دائرة على جميع البلدان محيطة بها غالبة عليها محل إقامتهم وملابستهم وصحبتهم وملازمتهم لكونها أهلا لأن يعود إليها من خرج منها فلا يهجرها أصلا ، فهي محل مناه وليست موضعا يهاجر منه لبركتها أو خيرها.
ولما كان المراد الإبلاغ في مدحهم ، قال مضمنا «تبوؤا» معنى لازم : (وَالْإِيمانَ) أي ولابسوه وصحبوه وخصوه بالصحبة ولزموه لزوما هو كلزوم المنزل الذي لا غنى لنازله عنه ، ويجوز أن يكون الإيمان وصفا للدار بإعادة العاطف للإشارة إلى التمكن في كل من الوصفين فيكون كأنه قيل : تبوؤا المدينة التي هي الدار وهي الإيمان لأنها محل تمكن الإيمان وانتشاره وظهوره في سائر البلدان ، فلشدة ملابستها له سميت به ، ويجوز أن يكون المعنى : ومحل الإيمان إشارة إلى أنهم ما أقاموا بها لأجل أن أموالهم بها بل محبة في الإيمان علما منهم بأنه لا يتم بدره ، ويكمل شرفه وقدره ، وتنشر أعلامه ويقوى ذكره إلا بها ، ولو لا ذلك لهجروها وهاجروا إلى النبي صلىاللهعليهوسلم في أي مكان حله ، فهو مدح لهم بأنهم متصفون بالهجرة بالقوة مع اتصافهم بالنصرة بالفعل.
ولما كان انفرادهم بإقامة الإيمان في الدار المذكورة قبل قدوم المهاجرين عليهم مدحا تاما ، قال مادحا لهم بذلك دالّا بإثبات الجارّ على أنهم لم يستغرقوا زمان القبل من حين إرسال الرسول صلىاللهعليهوسلم بالأمرين : (مِنْ قَبْلِهِمْ) أي قبل هجرة المهاجرين لأن وصفهم بالهجرة لم يكن إلا بعد إيجادها فالأنصار جمعوا التمكن في الإيمان إلى التمكن في الدار من قبل أن يجمع المهاجرون بينهما بالهجرة.
ولما ابتدأ ذكرهم هذا الابتداء الجليل ، أخبر عنهم بقوله : (يُحِبُّونَ) أي على سبيل التجديد والاستمرار ، وقيل العطف على المهاجرين ، وهذه حال فيكون هذا حكما
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
