من مهماته ، وقد قال النبي صلىاللهعليهوسلم : «لا ضرر ولا ضرار» (١) ، وقال : «أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول» (٢). وقال : «شر الناس من لا يآمن جاره بوائقه» (٣). فقال تعالى معظما لرسوله صلىاللهعليهوسلم وناهيا عن إبرامه صلىاللهعليهوسلم بالسؤال والمناجاة ، ونافعا للفقراء والتمييز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا ، ولما نهى عما يحزن من المقال والمقام ، وكان المنهي عنه من التناجي إنما هو لحفظ قلب الرسول صلىاللهعليهوسلم عما يكدره فهو منصرف إلى مناجاتهم غيره ، وكان ذلك مفهما أن مناجاتهم له صلىاللهعليهوسلم لا حرج فيها ، وكان كثير منهم يناجيه ولا قصد له إلا الترفع بمناجاته فأكثروا في ذلك حتى شق عليه صلىاللهعليهوسلم ، وكان النافع للإنسان إنما هو كلام من يلائمه في الصفات ويشاكله في الأخلاق ، وكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم أبعد الناس من الدنيا تقذرا لها لأجل بغض الله لها ، أمر من أراد أن يناجيه بالتصدق ليكون ذلك أمارة على الاجتهاد في التخلق بأخلاقه الطاهرة من الصروف عن الدنيا والإقبال على الله ، ومظهرا له عما سلف من الإقبال عليها فإن الصدقة برهان على الصدق في الإيمان ، وليخفف عنه صلىاللهعليهوسلم ما كانوا قد أكثروا عليه من المناجاة ، فلا يناجيه إلا من قد خلص إيمانه فيصدق ، فيكون ذلك مقدمة لانتفاعه بتلك المناجاة كما أن الهدية تكون مهيئة للقبول كما ورد «نعم الهدية أمام الحاجة» (٤) فقال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة أغنياء كانوا أو فقراء (إِذا ناجَيْتُمُ) أي أردتم أن تناجوا (الرَّسُولَ) صلىاللهعليهوسلم أي الذي لا أكمل منه في الرسلية فهو أكمل الخلق ووظيفته تقتضي أن يكون منه الكلام بما أرسله به الملك وتكون هيبته مانعة من ابتدائه بالكلام ، فلا يكون من المبلغين إلا الفعل بالامتثال لا غير (فَقَدِّمُوا) أي بسبب هذه الإرادة العالية على سبيل الوجوب ومثل النجوى كشخص له يدان يحتاج أن يطهر نفسه ليتأهل للقرب من الرسول صلىاللهعليهوسلم فقال : (بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ) أي قبل سركم الذي
__________________
(١) أخرجه ابن ماجه ٢٣٤١ والدارقطني ٤ / ٢٢٨ والطبراني في الكبير ١١ / (١١٥٧٦) وأحمد ١ / ٣١٣ من حديث ابن عباس. ـ وأخرجه الحاكم ٢ / ٥٧ ـ ٥٨ والدارقطني ٤ / ٢٢٨ من حديث أبي سعيد الخدري. ـ وأخرجه ابن ماجه ٢٣٤٠ من حديث عبادة وكل هذه الطرق لا تخلو من مقال إلا أن بعضها يقوي بعضا.
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ١١٧ والنسائي ٨ / ٢٧٤ وابن حبان ١٠٣٣ والحاكم ١ / ٥٣٢ وأحمد ٢ / ٣٤٦ من حديث أبي هريرة صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي. ـ وله شاهد من حديث عقبة بن عامر أخرجه الطبراني ١٧ / (٨١٠) تنبيه : صدر الحديث : «اللهم إني أعوذ بك ...».
(٣) أخرجه البخاري ٦٠١٦ ومسلم ٤٦ وأحمد ٢ / ٢٨٨ من حديث أبي هريرة.
(٤) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ٣ / ٩١ من حديث أنس ونقل عن الدارقطني قوله : هو باطل عن مالك لا يصح عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
