بقوله مرغبا مرهبا : (وَاللهُ) أي والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلما (بِما تَعْمَلُونَ) أي حال الأمر وغيره (خَبِيرٌ) أي عالم بظاهره وباطنه ، فإن كان العلم مزينا بالعمل بامتثال الأوامر واجتناب النواهي وتصفية الباطن كانت الرفعة على حسبه ، وإن كان على غير ذلك فكذلك ، وقدم الجار ومدخوله وإن كان علمه سبحانه بالأشياء كلها على حد سواء تنبيها على مزيد الاعتناء بالأعمال ، لا سيما الباطنة من الإيمان والعلم اللذين هما الروح الأعظم ، لأن المقام لنزول الإنسان عن مكانه بالتفسح والانخفاض والارتفاع ، ولا يخفى ما في ذلك من حظ النفس الحامل على الجري مع الدسائس ، فكان جديرا بمزيد الترهيب ، وسبب الآية أن أهل العلم لما كانوا أحق بصدر المجلس لأنهم أوعى لما يقول صاحب المجلس. كان النبي صلىاللهعليهوسلم يقول : «ليليني أولو الأحلام منكم والنهى» (١) ، وكان صلىاللهعليهوسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء أناس من أهل بدر منهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سبق غيرهم إلى المجلس فقاموا حيال النبي صلىاللهعليهوسلم فقالوا : السّلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، فرد عليهم النبي صلىاللهعليهوسلم ثم سلموا على القوم فردوا عليهم فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفعلوا فقال لمن حوله من غير أهل بدر : قم يا فلان وأنت يا فلان ، فأقام من المجلس بقدر القادمين من أهل بدر ، فشق ذلك على من أقيم ، وعرف النبي صلىاللهعليهوسلم الكراهية في وجوههم ، فقال المنافقون : ألستم تزعمون أن صاحبكم يعدل ، فوالله ما عدل على هؤلاء ، إن قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه مكانهم ، فأنزل الله هذه الآية (٢) ، وكان النبي صلىاللهعليهوسلم يقول : «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ، ولكن افسحوا يفسح الله لكم» (٣) رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وقال الحسن : بلغني أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان إذا قاتل المشركين فصف أصحابه رضي الله عنهم للقتال تشاحوا على الصف الأول فيقول الرجل لإخوانه : توسعوا لنلقى العدو فنصيب الشهادة ، فلا يوسعون له رغبة منهم في الجهاد والشهادة (٤) ، فأنزل الله هذه الآية ، وهي دالة على أن الصالح إن كره مجاورة فاسق منع من مجاورته لأنه يؤذيه ويشغله عن كثير
__________________
(١) أخرجه مسلم ٤٣٢ وأبو داود ٦٧٥ والترمذي ٢٢٨ وابن حبان ٢١٨٠ والطبراني ١٠٠٤١ وأحمد ١ / ٤٧٥ من حديث ابن مسعود.
(٢) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٣٠٨ من قول مقاتل.
(٣) أخرجه البخاري ٦٢٧٠ ومسلم ٢١٧٧ وأبو داود ٤٨٢٨ والترمذي ٢٧٤٩ وأحمد ٢ / ١٢٤ من حديث ابن عمر. وفي الباب من حديث جابر عند مسلم ٢١٧٨ والبيهقي ٣ / ٢٣٣.
(٤) ذكره البغوي في تفسيره عند هذه الآية عن الحسن البصري من قوله.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
