عظيم للقطع بالساعة التي هي القيامة ، فهو سبب للعلم بالأمرين : عموم الإعدام وعموم القيام.
ولما كان قريش يستنصحون اليهود يسألونهم ـ لكونهم أهل الكتاب ـ عن أمر النبي صلىاللهعليهوسلم ، وكان النصارى مثلهم في ذلك ، وكان كون عيسى عليه الصلاة والسّلام من أعلام الساعة أمرا مقطوعا به عند الفريقين ، أما النصارى فيقولون : إنه الذي أتى إليهم ورفع إلى السماء كما هو عندنا ، وأما اليهود فيقولون : إنه إلى الآن لم يأت ، ويأتي بعد ، فثبت بهذا أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام فيما أخبر الله تعالى عنه من إنعامه عليه ، ومن أنه من أعلام الساعة بشهادة الفرق الثلاثة اليهود والنصارى والمسلمين ثباتا عظيما جدا ، فصارت كأنها مشاهدة ، فلذلك سبب عما سبق قوله على لسان نبيه عليه الصلاة والسّلام ، لافتا القول إلى مواجهتهم مؤكدا في مقابلة إنكارهم لها بما ثبت من شهادة الفرق الثلاثة : (فَلا تَمْتَرُنَ) أي تشكوا أدنى شك وتضطربوا أدنى اضطراب وتجحدوا أدنى جحد وتجادلوا أدنى جدل (بِها) أي بسببها ، يقال : مرى الشيء وامتراه : استخرجه ، ومراه مائة سوط : ضربه ، ومراه حقه ، أي جحده ، والمرية بالضم والكسر : الجدل والشك (وَاتَّبِعُونِ) أي أوجدوا تبعكم بغاية جهدكم (هذا) أي كل ما أمرتكم به من هذا وغيره (صِراطٌ) أي طريق واسع واضح (مُسْتَقِيمٌ) أي لا عوج فيه.
ولما حثهم على السلوك لصراط الولي الحميد بدلالة الشفوق النصوح الرؤوف الرحيم ، حذرهم من العدو البعيد المحترق الطريد ، فقال دالا على عظيم فتنته بما له من التزيين للمشتهى والأخذ من المأمن والتلبيس للمشكل والتغطية للخوف بالتأكيد ، لما هم تابعون من ضده على وجه التقليد : (وَلا يَصُدَّنَّكُمُ) أي عن هذا الطريق الواضح الواسع المستقيم الموصل إلى المقصود بأيسر سعي (الشَّيْطانُ) ولما كان كأنه قيل ما له يصدنا عن سبيل ربنا؟ ذكر العلة تحذيرا في قوله : (إِنَّهُ لَكُمْ) أي عامة ، وأكد الخبر لأن أفعال التابعين لكم أفعال من ينكر عداوته : (عَدُوٌّ مُبِينٌ) أي واضح العداوة في نفسه مناد بها ، وذلك بإبلاغه في عداوة أبيكم حتى أنزلكم بإنزاله عن محل الراحة إلى موضع النصب ، عداوة ناشئة عن الحسد ، فهي لا تنفك أبدا.
ولما قدم سبحانه أنه أنعم على عيسى عليه الصلاة والسّلام وجعله مثلا لبني إسرائيل ، ولوح إلى اختلافهم وأن بعضهم نزل مثله على غير ما هو به ، وحذر من اقتدى بهم في نحو ذلك الضلال ، وأمر باتباع الهادي ، ونهى عن اتباع المضل ، صرح بما كان من حالهم حين أبرزه الله لهم على تلك الحالة الغريبة ، فقال عاطفا على ما تقدم تقديره بعد قوله تعالى (وَجَعَلْناهُ مَثَلاً : وَلَمَّا جاءَ عِيسى) أي إلى بني إسرائيل بعد
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
