وجده إسحاق عليهما الصلاة والسّلام في إخراج كل منهما بسبب هو في غاية الضعف ، هذه أمثاله الحسنة وقال من أراد الله به الضلال منهم غير ذلك من المحال ، فلما جعلوا له أمثال السوء ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة ، وقال ابن برجان : خصهم ـ أي بني إسرائيل ـ بالذكر لأنهم المفتونون بالدجال المسارعون إليه ، ثم قال : وإنما المثل في ذلك متى جاء الدجال بتلك الآيات يدعو إلى نفسه فيعارض ما يأتي به عيسى عليه الصلاة والسّلام من إحياء الموتى وتأييده بروح القدس ، أي فيضل عن الأمر الواضح من أراد الله فتنته ـ انتهى ، والأحسن أن يكون معنى كونه مثلا أنه جعل أمره واضحا جدا بحيث أنه يمثل به فيكون موضحا لغيره ، ولا يحتاج هو إلى مثل يوضحه عند من له أدنى بصيرة.
ولما كان التقدير : فلو شئنا لجعلنا الناس كلهم من أنثى بلا ذكر ، ولو شئنا لساويناكم بهم في ذلك الذي ضربناه عليهم من الذل عند ما جعلوا له مثل السوء فزدنا ما أنتم فيه من الذل والحقارة عند سائر الأمم بأن سلطانهم عليكم حتى استباحوكم ، ولو شئنا لمحوناكم أجمعين عن وجه الأرض فتركناها بياتا؟ لا أنيس بها ، عطف عليه قوله : (وَلَوْ) معبرا بصيغة المضارع إشارة إلى دوام قدرته على تجديد الإبداع فقال : (نَشاءُ لَجَعَلْنا) أي على ما لنا من العظمة ما هو أغرب مما صنعناه في أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام (مِنْكُمْ) أي جعلا مبتدئا منكم ، إما بالتوكيد كما جعلنا عيسى عليه الصلاة والسّلام من أنثى من غير ذكر وجعلنا آدم عليه الصلاة والسّلام من تراب من غير أنثى ولا ذكر وإما بالبدلية (مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) أي يكونون خلفا لكم شيئا بعد شيء بعد إعدامكم فجعلناهم مثلا لكم كما جعلنا عيسى عليه الصلاة والسّلام مثلا لبني إسرائيل ، ويجوز أن يكون المعنى : لجعلنا بعضكم ملائكة بأن نحول خلقتهم فنجعلهم خلفا لمن تحولوا عنهم ونخلف بعضهم بعضا ، فإنهم من جملة عبادنا أجسام تقبل التوليد كما تقبل الإبداع ، وعلى كلا التقديرين فذلك إشارة إلى أن الملائكة ذوات ممكنة من جملة عبيده سبحانه ، يصرفهم في مراده إن شاء في السماء ، وإن شاء في الأرض ، لا شيء منكم إلا وهو بعيد جدا عن رتبة الإلهية إرشادا لهم إلى الاعتقاد الحق في أمره سبحانه بشمول قدرته وكمال علمه اللازم منه أنه لا إله إلا هو.
ولما ذكر سبحانه الإعدام والخلافة بسببه فرضا ، ذكر أن إنزاله إلى الأرض آخر الزمان أمارة على إعدام الناس تحقيقا ، فقال مؤكدا لأجل إنكارهم : (وَإِنَّهُ) أي عيسى عليه الصلاة والسّلام (لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) أي نزوله سبب للعلم بقرب الساعة التي هي إعدام الخلائق كلهم بالموت ، وكذا ما نقل عنه من أنه كان يحيى وكذا إبراؤه الأسقام سبب
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
