ولما كانت أفهامهم واقفة مع المحسوسات لجمودهم. وكان البلى كلما كان أقوى كان ذلك البالي في زعمهم من البعث أبعد ، قالوا مخرجين في جملة فعلية عطفا على الواو من (معبوثون) من غير تأكيد بضمير الفصل بالاستفهام : (أَوَآباؤُنَا) أي يبعث آباؤنا أي يوجد بعثهم من حين ، وزادوا الاستبعاد على ما أفهموا بقولهم : (الْأَوَّلُونَ) أي الذين قد بليت مع لحومهم عظامهم ، فصاروا كلهم ترابا ولا سيما إن حملتهم السيول ففرقت ترابهم في كل أوب ، وذهبت به في كل صوب ، وسكن نافع وابن عامر الواو على أن العاطف (أو) ويجوز أن يكون العطف على محل «إن» واسمها.
ولما كانوا في غاية الجلافة ، رد إنكارهم بإثبات ما نفوه ، وزادهم الإخبار بإهانتهم ثم دل على صحة ذلك بالدليل العقلي لمن يفهمه ، فقال مخاطبا لأعلى الخلق وأوقفهم به لأن هذا المقام لا يذوقه حق ذوقه إلا هو كما أنه لا يقوم بتقريره لهم والرفق بهم إلا هو : (قُلْ) أي لهم ولكل من كان مثلهم ، وأكد لإنكارهم : (إِنَّ الْأَوَّلِينَ) الذين جعلتم الاستبعاد فيهم أوليا ، ونص على الاستغراق بقوله : (وَالْآخِرِينَ) ودل على سهولة بعثهم وأنه في غاية الثبات ، منبها على أن نقلهم بالموت والبلى تحصيل لا تفويت : (لَمَجْمُوعُونَ) بصيغة اسم المفعول ، في المكان الذي يكون فيه الحساب. ولما كان جمعهم بالتدريج ، عبر بالغاية فقال : (إِلى مِيقاتِ) أي زمان ومكان (يَوْمٍ مَعْلُومٍ) أي معين عند الله ، ومن شأنه أن يعلم بما عنده من الأمارات ، والميقات : ما وقت به الشيء من زمان أو مكان أي حد.
ولما كان زمان البعث متراخيا عن نزول القرآن ، عبر بأداته وأكد لأجل إنكارهم فقال : (ثُمَ) أي بعد البعث بعد الجمع المدرج (إِنَّكُمْ) وأيد ما فهمه من أصحاب الشمال هم القسم الأدنى من أصحاب المشأمة فقال : (أَيُّهَا الضَّالُّونَ) أي الذين غلبت عليه الغباوة فهم لا يفهمون ، ثم أتبع ذلك ما أوجب الحكم عليهم بالضلال فقال : (الْمُكَذِّبُونَ) أي تكذيبا ناشئا عن الضلال والتقيد بما لا يكذب به إلا عريق في التكذيب بالصدق (لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ) منبته النار. ولما كان الشجر معدن الثمار الشهية كالسدر والطلح ، بينه بقوله : (مِنْ زَقُّومٍ) أي شيء هو في غاية الكراهة والبشاعة في المنظر ونتن الرائحة والأذى ، قال أبو عبد الله القزاز في ديوانه الجامع وعبد الحق في واعيه : الزقم : شوب اللبن والإفراط فيه ، يقال : بات يزقم اللبن زقما ، ومن هذا الزقوم الذي ذكره الله تبارك وتعالى ، وقالا : قال أبو حنيفة : الزقوم شجرة غبراء صغيرة الورق لا شوك لها زفرة لها كعابر في رؤوسها ولها ورد تجرشه النحل ، ونورها أبيض ورأس ورقها قبيح جدا ، وهي مرعى ، ومنابتها السهل ، وقال في القاموس : في الدفر بالدال
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
