دالا على خضوع ما دونهما من الكواكب بطريق الأولى ، كان ذكرهما مغنيا عن ذكر ما عداهما بخصوصه ، فأتبعهما حضور ما هو للأرض كالكواكب للسماء في الزينة والنفع والضر والصغر والكبر والكثرة والقلة من النبات مقدما صغاره لعموم نفعه وعظيم وقعه بأن منه أكثر الأقوات لجميع الحيوان والملابس من القطن والكتان وغير ذلك من عجيب الشأن ، معبرا بما يصلح لبقية الكواكب فقال : (وَالنَّجْمُ) أي وجميع الكواكب السماوية وكل نبت ارتفع من الأرض ولا ساق له من النباتات الأرضية التي هي أصل قوام الإنسان وسائر الحيوان (وَالشَّجَرُ) وكل ما له ساق ويتفكه به أو يقتات (يَسْجُدانِ) أي يخضعان وينقادان لما يراد منهما ويذلان للانتفاع بهما انقياد الساجد من العقلاء لما أمر به بجريهما لما سخرا له وطاعتهما لما قدرا فيه من غير إباء على تجدد الأوقات من نمو في النبات ووقوف واخضرار ويبس وإثمار وعطل ، لا يقدر النجم أن يعلو إلى رتبة الشجر ولا الشجر أن يسفل إلى وهدة النجم إلى غير ذلك مما صرفنا فيه من سجود الظلال ودوران الجبال والمثال مما يدل على وحدانية الصانع وفعله بالاختيار ، ونفي الطبائع ، ومن تسيير في الكواكب وتدبير في المنافع في الحر والبرد اللذين جعل سبحانه بهما الاعتدال في النبات من الفواكه والأقوات ، وغير ذلك من وجود الانتفاعات.
ولما كان تغير ما تقدم من الشمس والقمر والنجم والشجر يدل دلالة واضحة على أنه سبحانه هو المؤثر فيه ، وكانت السماء والأرض ثابتتين على حالة واحدة ، فكان ربما أشكل أمرهما كما ضل فيهما خلق من أهل الوحدة أهل الجمود والاغترار والوقوف مع الشاهد وغيرهم ، وكان إذا ثبت أنه تعالى المؤثر فيهما ، فلذلك قال مسندا التأثير فيهما إليه بعد أن أعرى ما قبلهما من مثله لما أغنى عنه من الدلالة بالتغير والسير والتنقل عطفا على ما تقديره : وهو الذي دبر ذلك : (وَالسَّماءَ رَفَعَها) أي حسا بعد أن كانت ملتصقة بالأرض ففتقها منها وأعلاها عنها بما يشهد لذلك من العقل عند كل من له تأمل في أن كل جسم ثقيل ما رفعه عما تحته إلا رافع ، ولا رافع لهذه إلا الله فإنه لا يقدر على التأثير غيره ، ولعظمها قدمها على الفعل تنبيها على التفكر فيما فيها من جلالة الصنائع وأنواع البدائع ، ومعنى بأنه جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومتنزل أوامره ونواهيه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه.
ولما كانت السماء مع علوها الدال على عزة موجدها ومدبرها دالة على عدله باعتدال جميع أحوالها من الحر والبرد والمطر والثلج والندى والطل وغير ذلك في أن كل فصل منها معادل لضده وأنها لا ينزلها سبحانه إلا بقدر معلوم ، وإلا لفسدت الأرض كلها ، ودلنا على أنه شرع لنا مثل ذلك العدل لتقوم أحوالنا وتصلح أقوالنا وأفعالنا بما
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
