الحاضر تارة بالتوسم وأخرى بالحساب ومرة بالعيافة والزجر وطورا بالنظر في الآفاق وغير ذلك من الأمور مع التمييز بين الحسن والقبيح وغير ذلك مما أودعه سبحانه وتعالى له مع تعبيره عما أدركه بما هو غائب في ضميره وإفهامه للغير تارة بالقول وتارة بالفعل نطقا وكتابة وإشارة وغيرها ، فصار بذلك ذا قدرة على الكمال في نفسه والتكميل لغيره ، فهذا تعليم البيان الذي مكن من تعليم القرآن ، وهذا وإن كان سبحانه جبلنا عليه وخلقنا به قد صار عندنا مألوفا ومشهورا معروفا ، فهو عند غيرنا على غير ذلك مما أوضحه لنا سبحانه نعمة علينا بمحاجته لملائكته الكرام عن نبينا آدم عليه الصلاة والسّلام وما أبدى لهم من علمه وبهرهم من رسم كل شيء بمعناه واسمه.
ولما بين سبحانه النعمة في تعليم القرآن الذي هو حياة الأرواح ، وبين الطريق فيها ، دل على البيان بذكر البينات التي يجمعها أمر ويفرقها آخر ، ولها مدخل في حياة الأشباح ، وعددها على سبيل الامتنان بيانا لأنها من أكبر النعم فقال في جواب من قال : ما بيانه؟ بادئا بالكوكب الأعظم الذي هو أعظم نورا وأكبر جرما وأعم نفعا ليكون خضوعه لقبول الآثار أدل على خضوع غيره بيانا لحكمته في تدبيره وقوته في تقديره : (الشَّمْسُ) وهي آية النهار (وَالْقَمَرُ) وهو آية الليل اللذان كان بهما البيان الإبراهيمي ، ولعله بدأ لهذه الأمة بغاية بيانه عليه الصلاة والسّلام تشريفا لها بالإشارة إلى علو أفهامها (بِحُسْبانٍ) أي جريهما ، يجري كل منهما ـ مع اشتراكهما في أنهما كوكبان سماويان ـ بحساب عظيم جدا لا تكاد توصف جلالته في دقته وكثرة سعته وعظم ما يتفرع عليه من المنافع الدينية ولدنيوية ، ومن عظم هذا الحساب الذي أفادته صيغة الفعلان أنه على نهج واحد لا يتعداه ، تعلم به الأعوام والشهور والأيام والساعات والدقائق والفصول في منازل معلومة ، ويعرف موضع كل منهما في الآفاق العلوية وما يحدث له وما يتأثر عنه في الكوائن السفلية بحيث أن به انتظام غالب الأمور السفلية إلى غير ذلك من الأمور التي خلقهما الله عليها ولها ، وبين الإنسان وبين كل منهما من المسافات ما لا يعلمه على التحرير إلا العليم الخبير ، وهذا على تطاول الأيام والدهور لا يختل ذرة دلالة على أن صانعه قيوم لا يغفل ، ثم بعد هذا الحساب المستجد والحساب الأعظم الذي قدر لتكوير الشمس وانكدار القمر دلالة على أنه فاعل بالاختيار مع ما أفاد ذلك من تعاقب الملوين تارة بالاعتدال وتارة بالزيادة وأخرى بالنقص ، وغير ذلك من الأمور في لطائف المقدور.
ولما كان سيرهما على هذا المنهاج مع ما لهما فيه من الدؤب فيه بالتغير والتنقل طاعة منهما لمدبرهما ومبدعهما ومسيرهما ، وكان خضوعهما ـ وهما النيران الأعظمان ـ
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
