بالجمع فالأحاد تقابل الأحاد. ولما كانت الجنان لا تقوم وتدوم إلا بالماء قال : (وَنَهَرٍ) وأفرده لأن التعبير ب «في» مفهم لعمومهم به عموم ما كأنه ظرف وهم مظروفون له ، ولكثرة الأنهار وعظمها حتى أنها لقرب بعضها من بعض واتصال منابعها وتهيىء جميع الأرض لجري الأنهار منها كأنها شيء واحد ، وما وعد به المتقون من النعيم في تلك الدار فرقائقه معجلة لهم في هذه الدار ، فلهم اليوم جنات العلوم وأنهار المعارف ، وفي الآخرة الأنهار الجارية والرياض والأشجار والقصور والزخارف ، وهو يصلح مع ذلك لأن يكون مما منه النهار فيكون المعنى : أنهم في ضياء وسعة لا يزايلونه أصلا بضد ما عليه المجرم من العمى الناشىء عن الظلام ، ولمثل هذه الأغراض أفرد مع إرادة الجنس لا للفاصلة فقط.
ولما كانت البساتين لا تسكن في الدنيا لأنه ليس فيها جميع ما يحتاجه الإنسان ، بين أن حال تلك غير حال هذه ، فقال مبدلا مما قبله : (فِي مَقْعَدِ) أي تلك الجنان محل إقامتهم التي تراد للقعود (صِدْقٍ) أي فيما أراده الإنسان صدق وجوده الإرادة ولا يقعد فيه إلا أهل الصدق ، ولا يكون فيه إلا صدقه ، لا لغو فيه ولا تأثيم ، والتوحيد لإرادة الجنس مع أن الإبدال يفهم أنه لا موضع في تلك الجنان إلا وهو الصالح للتسمية بهذا الاسم ولأنهم لاتحاد قلوبهم ورضاهم كأنهم في مقعد واحد على أنه قرىء بالجمع.
ولما كان هذا غير معهود ، بين أن سببه تمكين الله لهم منه لاختصاصه لهم وتقريبه إياهم لإرضائه لهم ، فقال مقيدا لذلك بالتعبير بالعندية لأن عنديته سبحانه تعالى منزهة عن قرب الأجسام والجهات : (عِنْدَ مَلِيكٍ) أي ملك تام الملك (مُقْتَدِرٍ) أي شامل القدرة بالغها إلى حد لا يمكن إدراكه لغيره سبحانه كما تقدم قريبا ، فهو يوصلهم إلى كل خير ويدفع عنهم كل ضير ، وكما أن لهم في الآخرة عندية الإشهاد ، فلهم في الدنيا عندية الإمداد ، ولهذا الاسم الشريف سر في الانتصار على الظالمين ، ولقد ختمت السورة كما ترى كما ابتدئت به من أمر الساعة ، وكانت البداية للبداية والنهاية للنهاية ، وزادت النهاية بيان السبب الموجد لها ، وهو قدرته سبحانه وعز شأنه وعظمت رحمته وإحسانه ، وعفوه ومغفرته ورضوانه ، ولتصنيف الناس فيها إلى كافر مستحق للانتقام ، ومؤمن مؤهل لغاية الإكرام ، لم يذكر الاسم الأعظم الجامع الذي يذكر في سياق مقتضى جمع الجلال والإكرام لصنف واحد وهو من يقع منه الإيمان ولا يتدنس بالعصيان ، وهم الذين آمنوا ، ولمشاركتها للسورتين اللتين بعدها في هذا الغرض ، وهو الكلام في حق الصنفين فقط من غير ذكر عارض ممن آمن ، أشرك الثلاثة في الخلو عن ذكر الاسم
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
