الظاهر دون الباطن ، حمل على اللفظ قوله : (مُنْقَعِرٍ) أي منقصف أي منصرع من أسفل قعره وأصل مغرسه ، والتشبيه يشير إلى أنهم طوال قد قطعت رؤوسهم ، وفي الحافة وقع التشبيه في الباطن الذي فيه الأعضاء الرئيسة ، والمعاني اللطيفة ، فأنث الوصف حملا على معنى النخل لا للطفها ـ والله أعلم.
ولما طابق ما أخبر به من عذابهم ما هوله به أولا ، أكد ذلك لما تقدم من سره فقال مسببا عنه مشيرا إلى أنه لشدة هوله مما يجب السؤال عنه : (فَكَيْفَ كانَ) أيها السائل ، ولفت القول إلى الإقرار تنبيها للعبيد على المحافظة على مقام التوحيد : (عَذابِي) لمن كذب رسلي (وَنُذُرِ) أي وإنذاري أو رسلي في إنذارهم هل صدق.
ولما أتم سبحانه تحذيره من مثل حالهم بأمر ناظر أتم نظر إلى تدبير ما في سورة الذاريات ، أتبع ذلك التنبيه على أنه ينبغي للسامع أن يتوقع الحث على ذلك ، فقال مؤكدا لما لأكثر السامعين من التكذيب بالقال أو بالحال معلما أنه سهل طريق الفرار من مثل هذه الفتن الكبار إليه ، وسوى من الاعتماد عليه ، عائدا إلى مظهر العظمة إيذانا بأن تيسير القرآن لما ذكر من إعجازه لا يكون إلا لعظمة تفوت قوى البشر ، وتعجز عنها القدر (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا) على ما لنا من العظمة في الذات والصفات (الْقُرْآنَ) الجامع الفارق كله وما أشارت إليه هذه القصة من مفصله (لِلذِّكْرِ) للحفظ والشرف والفهم والتدبير والوعظ والاتعاظ ما صرفنا فيه من أنواع الوعظ مع التنبيه للحفظ بالإيجاز وعذوبة اللفظ وقرب الفهم وجلالة المعاني وجزالة السبك وتنويع الفنون وتكثير الشعب وإحكام الربط (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) أي تسبب عن هذا الأمر العظيم الذي فعلناه أنه موضع السؤال عن أحوال السامعين : هل فيهم من يقبل على حفظه ثم تدبره وفهمه ويتعظ بما حل بالأمم السالفة ، ويتذكر جميع ما صرف من الأقوال وينزلها على نفسه وما لها من الأحوال ، ويجعل ذلك لوجهنا فيلقيه بتشريفه به أمر دنياه وأخراه.
ولما كان هذا موضع الإقبال على تدبر مواعظ القرآن ، وكان ثمود أعظم وعظ كان بعد عاد لما في صيحتهم الخارجة عن العهود من تصوير الساعة بنفختيها المميتة ثم المحيية ، وقال مؤنثا فعلهم إشارة إلى سفول هممهم وسفول فعلهم معلما أن من كذب هلك ـ على طريق الجواب لمن لعله يقول استبعادا للتكذيب بعد ما جرى في القصتين الماضيتين من التعذيب : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ) أي قوم صالح (بِالنُّذُرِ) الإنذارات والمنذرين كلهم لأنهم شرع واحد ، ثم علل ذلك وعقبه بقوله معلما بالضمير أن المباشر لهذا الكفر رجالهم لئلا يظن أنهم نساء فقط : (فَقالُوا) منكرين لما جاءهم من الله غاية الإنكار : (أَبَشَراً) إنكارا لرسالة هذا النوع ليكون إنكار النبوة إنكارا لنبوة نبيهم على أبلغ
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
