الوجوه ، وأعظم الإنكار بقولهم مقدمين عدم الانفراد عنهم لخصوصيته : (مِنَّا) أي فلا فضل له علينا فما وجه اختصاصه بذلك من بيننا ، وزادوا ذلك تأكيدا فقالوا : (واحِداً) أي ليس معه من يؤيده ، ثم فسر الناصب لقوله : (بَشَراً) بقوله : (نَتَّبِعُهُ) أي نجاهد نفسنا في خلع مألوفنا وخلاف آبائنا والإقرار على أنفسنا بسخافة العقل والعراقة في الجهل ونحن أشد الناس كثرة وقوة وفهما ودراية ، ثم استنتجوا عن هذا الإنكار الشديد قولهم مؤكدين الاستشعار بأن كلامهم أهل لأن يكذب : (إِنَّا إِذاً) أي إن اتبعناه (لَفِي ضَلالٍ) أي ذهاب عن الصواب محيط بنا (وَسُعُرٍ) أي تكون عاقبتنا في ذلك الضلال الكون في أوائل أمر لا ندري عاقبته ، فإنه لم يجرب ولم يختبر ولم يمعن أحد قبلنا سلفا لنا فيجرنا ذلك إلى جنون وجوع ونار كما يكون من يأتوه في القفار في أنواع من الحر بتوقد حر الجبال وحر الضلال وحر الهموم والأوجال ـ وذلك من النار التي توعدنا بها ، وهو معنى تفسير ابن عباس رضي الله عنهما له بالعذاب ، وجعل سفيان بن عيينه له جمع سعير ، والمعنى إنا نكون إذا اتبعناك كما تقول جامعين بين الضلال والعذاب بسائر أنواعه.
ولما كان فيما قالوه أعظم تكذيب مدلول على صحته في زعمهم بما أمؤوا إليه من كونه آدميا مثلهم ، وهو مع ذلك واحد من أحادهم فليس هو بأمثلهم وهو منفرد فلم يتأيد فكره بفكر غيره حتى يكون موضع الوثوق به ، دلوا عليه بأمر آخر ساقوه أيضا مساق الإنكار ، وأمؤوا بالإلقاء إلى أنه في إسراعه كأنه سقط من علو فقالوا : (أَأُلْقِيَ) أي أنزل بغتة في سرعة لأنه لم يكن عندهم في مضمار هذا الشأن ولم يأتمروا فيه قبل إتيانه به شيء منه بل أتاهم به بغتة في غاية الإسراع. ولما كان الإلقاء يكون للأجسام غالبا ، فكان لدفع هذا الوهم تقديم النائب عن الفاعل أولى بخلاف ما تقدم في ص فقالوا : (الذِّكْرُ) أي الوحي الذي يكون به الشرف الأعظم ، وعبروا بعلى إشارة إلى أن مثل هذا الذي تقوله لا يقال إلا عن قضاء غالب وأمر قاهر فقال : (عَلَيْهِ) ودلوا على وجه التعجب والإنكار بالاختصاص بقولهم : (مِنْ بَيْنِنا) أي وبيننا من هو أولى بذلك سنا وشرفا ونبلا.
ولما كان هذا الاستفهام لكونه إنكاريا بمعنى النفي ، أضربوا عنه بقولهم على وجه النتيجة عطفا على ما أفهمه الاستفهام من نحو : ليس الأمر كما زعم : (بَلْ هُوَ) لما أبديناه من الشبه (كَذَّابٌ) أي بليغ في الكذب (أَشِرٌ) أي مرح غلبت عليه البطالة حتى أعجبته نفسه بمرح وتجبر وبطر ، ونشط في ذلك حتى صار كالمنشار الذي هو متفرغ للقطع مهيأ له خشن الأمر سيىء الخلق والأثر فهو يريد الترفع.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
