ولم يعرج على محاججتهم في قولهم هذا تنبيها على أنه من السقوط بمنزلة لا يحتاج معها إلى رد مجادلة ، ثم سبب عن أمره لهم بالتربص قوله : (فَإِنِّي مَعَكُمْ) وأكده تنبيها على أنه يرجو الفرح بمصيبتهم كما يرجون الفرح بمصيبته وإن كانت كثرتهم وقوتهم عندهم مانعة من مثل هذا التربص (مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ) أي العريقين في التربص وإن ظننتم خلاف ذلك ، وأشار بالمعية إلى أنه مساو لهم في ذلك وإن ظنوا لكثرتهم وقوتهم ووحدته وضعفه أن الأمر خلاف ذلك ، قال القشيري : جاء في التفسير أن جميعهم ـ أي الذين تربصوا به ـ ماتوا ، قال : ولا ينبغي لأحد أن يؤمل نفاق سوقه بموت أحد لتنتهي النوبة إليه فقل من تكون هذه صفته إلا سبقته المنية ، ولا يدرك ما تمناه من الأمنية.
ولما كان قولهم هذا مما لا يقال أصلا وإن قيل على بعده كان قوله كأنه على جهة سبق اللسان أو نحو ذلك ، نبه عليه بمعادلة ما تقديره : أقالوا ذلك ذهولا : (أَمْ تَأْمُرُهُمْ) أي نزين لهم تزيينا يصير مآلهم إليه من الانبعاث كالأمر (أَحْلامُهُمْ) أي عقولهم التي يزعمون أنهم اختصوا بجودتها دون الناس بحيث إنه كان يقال فيهم : أولو الأحلام والنهي (بِهذا) أي وهم يعتقدون صحته وأنه العدل السواء لأنهم متقيدون بالأحلام والنهي على ما فيه من الفساد بالتناقض بعد اختلال كل قول منه على حدته كما تقدم بيانه ، وهو توبيخ عظيم بالإشارة إلى أنه ليست لهم عقول أصلا لقولهم هذا ، فإن الكاهن شرطه أن يكون في غاية المعرفة عندهم حتى أنهم يجعلونه حكما وربما عبدوه ، والمجنون لا يصلح لصالحة لأنه لا يعقل ، والشاعر بعيد الأمر بوزن الكلام وكثرته من سجع الكاهن وغيره وكلام المجنون : (أَمْ هُمْ) بظواهرهم وبواطنهم (قَوْمٌ) أي ذوو قوة على ما يحاولونه فهم لذلك (طاغُونَ) أي مجازون للحدود ، وذلك عادة لهم بما أفهمه الوصف ، فهم لذلك لا يبالون بالعناد الظاهر في مخالفته لما تأمر به الأحلام والنهى ، ولا يقوله إلا الطغاة السفهاء مع ظهور الحق لهم ، فهم يقولون الكلام المتناقض غير مبالين بأحد ولا مستحيين من أن ينسبوا إلى العدوان والمبالغة في العصيان ، والآية من الاحتباك : ذكر الأحلام أولا دليلا على ضدها ثانيا ، والطغيان ثانيا على ضده «العدل السواء» أولا ، وسره أن ما ذكر أشد تنفيرا من السوء وأعظم تقبيحا له وتحذيرا منه (أَمْ يَقُولُونَ) ما هو أفحش عارا من التناقض : (تَقَوَّلَهُ) أي تكلف قوله من عند نفسه كذبا وليس بشعر ولا كهانة ولا جنون ، وهم على كثرتهم وإلمام بعضهم بالعلم وعرافة آخرين في الشعر والخطب والترسل والسجع يعجزون عن مثله بل عن مثل شيء منه. ولما كان الكلام حقيقة في النفس ، وكانوا يعلمون بطلان جميع ما يقولونه من ذلك ، كان التقدير : لم يقولوا شيئا من ذلك حقيقة واعتقادا (بَلْ لا يُؤْمِنُونَ) أي لا يقرون بالحق مع علمهم ببطلان قولهم وتناقضه عنادا منهم لا تكذيبا في الباطن.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
