لا يتهم ربه في شيء من قضائه (الرَّحِيمُ) المكرم لمن أراد من عباده بإقامته فيما يرضاه من طاعته ، ثم بإفضاله عليه وإن قصر في خدمته.
ولما كان هذا مع تشويقه إلى الجنة والأعمال الموصلة إليها وعظا يرقق القلوب ويجلي الكروب ، سبب عنه قوله : (فَذَكِّرْ) أي جدد التذكير بمثل هذا لكل من يرجو خيره ودم على ذلك ، وسماه تذكيرا لأنه مما يعلمه الإنسان إذا أمعن النظر من نفسه أو من الآفاق ، وعلل التذكير بقوله : (فَما أَنْتَ) أي وأنت أشرف الناس عنصرا وأكملهم نفسا وأزكاهم خلائق هم بها معترفون لك قبل النبوة (بِنِعْمَةِ رَبِّكَ) أي بسبب ما أنعم به عليك المحسن إليك من هذا الناموس الأعظم بعد تأهيلك له بما هيأك به من رجاحة العقل وعلو الهمة وكرم الفعال وجود الكف وطهارة الأخلاق وشرف النسب ، وأكد النفي بقوله : (بِكاهِنٍ) أي تقول كلاما ـ مع كونه سجعا متكلفا ـ أكثره فارغ وتحكم على المغيبات بما يقع خلاف بعضه. ولما كان للكاهن والمجنون اتصال بالجن ، أتبع ذلك قوله : (وَلا مَجْنُونٍ) أي تقول كلاما لا نظام له مع الإخبار ببعض المغيبات ، فلا يفترك قولهم هذا عن التذكير فإنه قول باطل لا تلحقك به معرة أصلا ؛ وعما قليل يكون عيبا لهم لا يغسله عنهم إلا اتباعهم لك ، فمن اتبعك منهم غسل عاره ، ومن استمر على عناده استمر تبابه وخساره.
ولما كانت نسبته صلىاللهعليهوسلم فيما أتاهم به من هذا القرآن الآمر بالحكمة إلى أنه أتى به عن الجن الذين طبعهم الفساد مما لا ينبغي أن يتخيله أحد فضلا أن يقوله له صلىاللهعليهوسلم ، ولا يكاد يصدق أن أحدا يرميه به ، فكان في طيه سؤال تقريع وتوبيخ ، نبه على ذلك بالعطف على ما تقديره : أيقولون هذا القول البعيد من أقوال أهل العقول : (أَمْ يَقُولُونَ) ما هو أعجب في مجرد قوله فضلا عن تكريره ، فأم معادلة للاستفهام قبلها لا مقطوعة ، وكذا جميع ما بعدها وهو معنى ما نقله البغوي عن الخليل أنه قال : ما في سورة الطور من ذكر «أم» كله استفهام وليس بعطف. (شاعِرٌ) يقول كلاما موزونا بالقصد ، يلزمه التكلف لذلك فيغلب إلزام الوزن قائله حتى يجعل اللفظ هو الأصل ويجعل المعنى تابعا له ، فيأتي كثير من كلامه ناقص المعاني هلهل النسج مغلوبا فيه على أمره معترفا إذا وقف عليه بتقصيره متعذرا مما زانه به زعم من أوزانه ، وساق سبحانه هذا وكذا ما بعده من الأقسام على طريق الاستفهام مع أن نسبتها إليهم محققة ، تنبيها على أن مثل هذا لا يقوله عاقل ، وإن قاله أحد لم يكد الناقل عنه يصدق : (نَتَرَبَّصُ) أي ننتظر (بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) أي حوادث الدهر من الموت وغيره القاطعة ، من المن وهو القطع.
ولما كان كأنه قيل لهم : إنهم ليقولون ذلك ، قال معلما جوابهم : (قُلْ تَرَبَّصُوا)
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
