ولما كان هذا عظيما والثبات عليه أعظم ، وهو عين الحكمة ، أشار إلى عظيم مزية الثبات بقوله : (ثُمَ) أي بعد امتطاء هذه الرتبة العظيمة (لَمْ يَرْتابُوا) أي ينازعوا الفطرة الأولى في تعمد التسبب إلى الشك ولم يوقعوا الشك في وقت من الأوقات الكائنة بعد الإيمان ، فلا يزال على تطاول الأزمنة وحصول الفتن وصفهم بعدم الريب غضا جديدا ، ولعله عبر بصيغة الافتعال إشارة إلى العفو عن حديث النفس الذي لا يستطيع الإنسان دفع أصله ويكرهه غاية الكراهة ويجتهد في دفعه ، فإذا أنف المذموم المشي معه والمطاولة منه حتى يستحكم.
ولما ذكر الأمارة الباطنة على وجه جامع لجميع العبادات المالية والبدنية قال : (وَجاهَدُوا) أي أوقعوا الجهاد بكل ما ينبغي أن تجهد النفس فيه تصديقا لما ادعوه بألسنتهم من الإيمان (بِأَمْوالِهِمْ) وذلك هو العفة (وَأَنْفُسِهِمْ) أعم من النية وغيرها ، وذلك هو الشجاعة ، وقدم الأموال لقلتها في ذلك الزمان عند العرب (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي طريق الملك الأعظم بقتال الكفار وغيره من سائر العبادات المحتاجة إلى المال والنفس لا الذين يتخلفون ويقولون : شغلتنا أموالنا وأهلونا ، قال القشيري : جعل الله الإيمان مشروطا بخصال ذكرها ، وذكر بلفظ «إنما» وهي للتحقيق ، تقتضي الطرد والعكس ، فمن أفرد الإيمان عن شرائطه التي جعلها له فمردود عليه قوله ، والإيمان للعبد الأمان ، فإيمان لا يوجب الأمان لصاحبه فخلافه أولى به.
ولما عرف بهم بذكر أمارتهم على سبيل الحصر ، أنتج ذلك حصرا آخر قطعا لأطماع المدعين على وجه أثنى عليهم فيه بما تعظم المدحة به عندهم ترغيبا في مثل حالهم فقال : (أُولئِكَ) أي العالو الرتبة الذين حصل لهم استواء الأخلاق والعدل في الدين بجميع أمهات الأخلاق (هُمُ) أي خاصة (الصَّادِقُونَ) قالا وحالا وفعالا ، وأما غيرهم فكاذب.
ولما كانوا كأنهم يقولون : نحن كذلك ، أمره صلىاللهعليهوسلم بالإنكار عليهم والتوبيخ لهم دلالة على ما أشار إليه ختام الآية من إحاطة علمه الذي تميز به الصادق من غيره من جميع الخلق فقال : (قُلْ) أي لهؤلاء الأعراب مجهلا لهم مبكتا : (أَتُعَلِّمُونَ) أي أتخبرون إخبارا عظيما بليغا ، كأنهم لما آمنوا كان ذلك إعلاما منهم ، فلما قالوا آمنا كان ذلك تكريرا ، فكان في صورة التعليم ، فبكتهم بذلك (اللهَ) أي الملك الأعظم المحيط قدرة وعلما (بِدِينِكُمْ) فلذلك تقولون : آمنا ، ففي ذلك نوع بشرى لهم لأنه أوجد لهم دينا وأضافه إليهم ـ قاله ابن برجان. ولما أنكر عليهم وبكتهم وصل به ما يشهد له فقال : (وَاللهُ) أي والحال أن الملك المحيط بكل شيء (يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ) كلها على
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
