وإذا أعجبهم وهم في غاية العناية بأمره والتفقد لحاله والملابسة له ومعرفة معانيه كان لغيرهم أشد إعجابا ، ومثل لأنهم يكونون قليلين ثم يكثرون مع البهجة في عين الناظر لما لهم من الرونق الذي منشؤه نور الإيمان وثبات الطمأنينة والإيقان وشدة الموافقة من بعضهم لبعض ، ونفي المخالف لهم وإبعاده ، وقد تقدم في هذا الكتاب في آخر المائدة أمثال ضربت في الإنجيل بالزرع أقربها إلى هذا مثل حبة الخردل فراجعه.
ولما أنهى سبحانه مثلهم ، ذكر الثمرة في جعلهم كذلك فقال : (لِيَغِيظَ) معلقا له بما يؤخذ من معنى الكلام وهو جعلهم كذلك لأجل أن يغيظ (بِهِمُ) أي غيظا شديدا بالغ القوة والإحكام (الْكُفَّارِ) وذلك أنهم لما كانوا أول الأمر قليلا ، كان الكفار طامعين في أن لا يتم لهم أمر ، فكلما ازدادوا كثرة مع تمادي الزمان زاد غيظ الكفار منهم ، فكيف إذا رأوا مع الزيادة والقوة منهم حسنا ونضارة ورونقا وبهجة ، فهو في الغيظ مما لو كانوا في أول الأمر كثيرا لأنه كان يكون دفعه ويقصر زمنه ، فمن أبغض صحابيا خيف عليه الكفر لأنهم أول مراد بالآية ، وغيرهم بالقصد الثاني وبالتبع ، ومن أبغضهم كلهم كان كافرا ، وإذا حملناه على غيرهم كان دليلا على أن كل من خالف الإجماع كفر ـ قاله القشيري.
ولما ثم مثلهم وعلة جعلهم كذلك ، بشرهم فقال في موضع وعدهم لتعليق الوعد بالوصف على عادة القرآن ترغيبا في التمسك به وترهيبا من مجانبته : (وَعَدَ اللهُ) أي الملك الأعظم (الَّذِينَ آمَنُوا) ولما كان الكلام في الذين معه صلىاللهعليهوسلم ، وكانت المعية ظاهرة في الاتحاد في الدين لم تكن شاملة للمنافقين ، فلم يكن الاهتمام بالتقييد بمنهم هنا كالاهتمام به في سورة النور ، فأخره وقدم العمل لأن العناية به هنا أكثر ، لأنه من سيماهم المذكورة فقال : (وَعَمِلُوا) أي تصديقا لدعواهم الكون معه في الدين (الصَّالِحاتِ) ولما كان قوله «معه» يعم كما مضى من بعد الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وكان الخلل فيمن بعدهم كثيرا ، قيد بقوله : (مِنْهُمْ) أي من الذين معه صلىاللهعليهوسلم سواء كانوا من أصل الزرع أو فراخه التي أخرجها وهم التابعون لهم بإحسان.
ولما كان الإنسان وإن اجتهد مقصرا عن بلوغ ما يحق له من العبادة ، أشار إلى ذلك بقوله : (مَغْفِرَةً) أي لما يقع منهم من الهفوات أو الذنوب والسيئات (وَأَجْراً عَظِيماً) بعد ذلك الستر ، وقد جمعت هذه الآية الخاتمة لهذه السورة جميع حروف المعجم بشارة تلويحية مع ما فيها من البشائر التصريحية باجتماع أمرهم وعلو نصرهم ، وذلك أنه لما كانت هذه العمرة قد حصل لهم فيها كسر لرجوعهم قبل وصولهم إلى قصدهم من الدخول إلى مكة المشرفة والطواف بالبيت العتيق ، ولم يكن ذلك بسبب
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
