شيء وعلى كل حال ، ويذلل ألسنتهم بالتكبير ، وينصر الله نبيهم على كل من ناواه ، يغسلون فروجهم بالماء ، ويؤثرون على أواسطهم ، وأناجيلهم في صدورهم ، يأكلون قربانهم في بطونهم ويؤجرون عليها ، تراحمهم بينهم تراحم بين الأم والأب ، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم ، هم السابقون المقربون والشافعون والمشفع لهم. وأصله في الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وفي الدارمي عن كعب هذا ، ولأصحاب الفتوح عن سمرة بن حوشب عن كعب قال : قلت لعمر رضي الله عنه وهو بالشام عند انصرافه : يا أمير المؤمنين! إنه مكتوب في كتاب الله «إن هذه البلاد التي كان فيها بنو إسرائيل وكانوا أهلها مفتوحة على رجل من الصالحين ، رحيم بالمؤمنين شديد على الكافرين ، سره مثل علانيته ، وعلانيته مثل سره ، وقوله لا يخالف فعله ، والقريب والبعيد عنده في الحق سواء ، أتباعه رهبان بالليل أسد بالنهار ، متراحمون متباذلون» فقال عمر : ثكلتك أمك أحق ما تقول؟ قلت : أي والذي أنزل التوراة على موسى والذي يسمع ما نقول! إنه لحق ، فقال عمر : فالحمد لله الذي أعزنا وشرفنا وأكرمنا ورحمنا بمحمد صلىاللهعليهوسلم ورحمته التي وسعت كل شيء ـ هذا على أن المراد بالمثل الوصف ، ويمكن أن يكون على حقيقته ، ويكون الذي في التوراة ما ترجمته «هم على أعدائهم كقرن الحديد وفيما بينهم في النفع والتواصل كالماء والصعيد ، ولربهم كخامة الزرع مع الريح والصديق النصيح ، وفي الإقبال على الآخرة كالمسافر الشاحب والباكي الناحب» فعبر عنه في كتابنا بما ذكر.
ولما ذكر مثلهم في الكتاب الأول ، أتبعه الكتاب الثاني الذي هو ناسخ ليعلم أنه قد أخذ على كل ناسخ لشريعته أن يصفهم لأمته ليتبعوهم إذا دعوهم فقال : (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ) أي الذي نسخ الله به بعض أحكام التوراة (كَزَرْعٍ) أي مثل زرع (أَخْرَجَ شَطْأَهُ) أي فراخه وورقه وما خرج حول أصوله ، فكان ذلك كله مثله.
ولما ذكر هذا الإخراج سبب عنه قوله (فَآزَرَهُ) أي فأحاط به الشطأ ، فقواه وطهره من غير نبتة نبتت عنه فتضعفه وساواه وحاذاه وعاونه ، ويظهر أن قراءة الهمزة بالمد على المفاعلة أبلغ من قراءة ابن عامر بالقصر ، لأن الفعل إذا كان بين اثنين يتجاذبانه كان الاجتهاد فيه أكثر ، ثم سبب عن المؤازرة قوله : (فَاسْتَغْلَظَ) أي فطلب المذكور من الزرع والشطأ الغلظ وأوجده فتسبب عن ذلك اعتداله (فَاسْتَوى) أي وجد فيه القيام العدل وجودا عظيما كأنه كان بغاية الاجتهاد والمعالجة (عَلى سُوقِهِ) أي قصبه ، جمع ساق ، وهو ما قام عليه الشيء ، حال كون هذا المذكور من الزرع والشطأ (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ) ويجوز كونه استئنافا للتعجب منه والمبالغة في مدحه وإظهار السرور في أمره ،
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
