ولما لم يكن في هؤلاء من عذب بما عذب به الأمم الماضية من الريح وغيرها ، لم يذكر ما بين الخافقين ، وذكر نتيجة التفرد بالملك بما يقتضيه الحال من الترغيب والترهيب : (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ) أي لا اعتراض لأحد عليه بوجه ما (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) أي لأنه لا يجب عليه شيء ولا يكافيه شيء ، وليس هو كالملوك الذين لا يتمكنون من مثل ذلك لكثرة الأكفاء المعارضين لهم في الجملة ، وعلم من هذا التقسيم المبهم أيضا أن منهم من يرتد فيعذبه ، ومنهم من يثبت على الإسلام فيغفر له لأنه لا يعذب بغير ذنب وإن كان له أن يفعل ذلك ، لأنه لا يسأل عما يفعل وملكه تام ، فتصرفه فيه عدل كيفما كان. ولما كان من يفعل الشيء في وقت قد لا يستمر على وصف القدرة عليه قال تعالى : (وَكانَ اللهُ) أي المحيط بصفات الكمال أزلا وأبدا ، لم يتجدد له شيء لم يكن. ولما ابتدأ الآية بالمغفرة ترغيبا في التوبة ، ختم بذلك لأن المقام له ، وزاد الرحمة تشريفا لنبي المرحمة بالترغيب والدلالة على أن رحمته غلبت غضبه فقال : (غَفُوراً) أي لذنوب المسيئين (رَحِيماً) أي مكرما بعد الستر بما لا تسعه العقول ، وقدرته على الإنعام كقدرته على الانتقام. ولما ذم المخلفين بما منه ـ أي من الذم ـ أنهم هالكون بعد أن قدم أنه لعنهم ، وكان قد وعد سبحانه أهل الحديبية فتح خيبر جبرا لهم بما منعهم من الاستيلاء على مكة المشرفة لما له في ذلك من الحكم البالغة الدقيقة ، وختم بأنه نافذ الأمر ، وكان ذلك مستلزما لإحاطة العلم ، دل على كلا الأمرين بقوله استئنافا ، جوابا لمن كأنه قال : هل يغفر للمخلفين حتى يكونوا كأنهم ما تخلفوا؟ : (سَيَقُولُ) أي بوعد لا خلف فيه.
ولما كان النبي صلىاللهعليهوسلم بحيث لا مطمع لأحد فى أن يظفر منه بشيء من خلاف لأمر الله ، أسقط ما عبر به في ذكرهم أولا من خطابه وقال : (الْمُخَلَّفُونَ) أي لمن يطمعون فيه من الصحابة أن يسعى في تمكينهم من المسير في جيشه صلىاللهعليهوسلم لخفاء الحكم عليه ونحو ذلك ، ولم يقيدهم بالأعراب ليعم كل من كان يتخلف من غيرهم (إِذَا انْطَلَقْتُمْ) بتمكين الله لكم (إِلى مَغانِمَ).
ولما أفهم اللفظ الأخذ ، والتعبير بصيغة منتهى الجموع كثرتها ، صرح بالأول رفعا للمجاز فقال : (لِتَأْخُذُوها) أي من خيبر (ذَرُونا) أي على أي حالة شئتم من الأحوال الدنية (نَتَّبِعْكُمْ) ولما كان يلزم من تمكينهم من ذلك إخلاف وعد الله بأنها تخص أهل الحديبية ، وأنه طرد المنافقين وخيب قصدهم ، علل تعالى قولهم بقوله : (يُرِيدُونَ) أي بذهابهم معكم (أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما في الإخبار بلعنهم وإبارتهم ، وأن فتح خبير مختص بأهل الحديبية ، لا يشركهم فيه إلا من وافقهم
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
